في 28 فبراير 2026، فرضت الحرب بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى، أوضاعاً إقليمية ودولية متباينة في الأوزان والأهمية. وقبل هذا التاريخ وبعده، ما زالت بلادي المملكة العربية السعودية؛ تقدّم نموذجاً في إدارة الأزمات، مع موقف صارم في حماية الأمن الوطني، رغم الضغوط ومحاولات جرّها إلى الانخراط في الصراع. وقد اختارت — وهي القادرة — نهجاً مختلفاً يجنّبها تبعاته.
تدرك القيادة السعودية أن هذا الصراع سيُنتج تحولات سياسية واقتصادية، فجاء التعاطي بعقلانية وحكمة، بعيداً عن الانفعال. وتجلّت هذه الرؤية في الدعوة إلى قمة تشاورية لقادة دول مجلس التعاون، تأكيداً لوحدة الصف والهدف، وما صدر عنها من بيان عبّر عن هذه التوجهات، إلى جانب موقف المملكة المعلن بتجنّب التصعيد العسكري.
إن الثقل السياسي والدبلوماسي لا يُسخَّر لمصالح ضيقة أو توجهات محدودة الأفق، بل لحماية الاستقرار وتعزيز التماسك الخليجي. وفي المقابل، فإن أي أزمة مفتعلة تمثل تراجعاً عن هذا المسار، ولن يطال ضررها إلا من سعى إليها، مع ما تحمله من تبعات سياسية واقتصادية وشعبية.
نحن في المملكة نحرص على ازدهار دول الخليج واستقرارها، إيماناً بأن قوة المنطقة في وحدتها وثبات مواقفها. أما السياسات الأحادية فقد تُضعف هذا التماسك، خاصة حين تُبرَّر بخطاب يوحي بالوحدة بينما يفضي عملياً إلى عكسها.
لقد كشفت الأزمة بوضوح من يمتلك مقومات الثبات السياسي والاقتصادي، ويقف مدافعاً عن مصالحه ومصالح محيطه الإقليمي. وفي سياق متصل، يظل ملف الجزر الإماراتية المحتلة حاضراً في الذاكرة، دون أن يشهد تحركاً يتناسب مع حساسية المرحلة وتعقيداتها.
تتابع القوى الدولية المشهد وفق مصالحها، فيما تسعى أطراف أخرى إلى استغلاله لتعزيز نفوذها، بما قد يزيد من حدة الانقسام. وعلى الصعيد الاقتصادي، قد تترك هذه التطورات آثاراً على اقتصادات دول المجلس، خاصة فيما يتعلق بإمدادات الطاقة وتحديات الملاحة في مضيق هرمز. كما أن الرهان على المكاسب الفردية خارج الأطر التعاونية يبقى محدود الجدوى، في ظل معطيات اقتصادية واضحة.
وقد أثبتت المملكة خلال هذه المرحلة قدرتها على الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي، إلى جانب دعمها لدول الخليج في مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد، بما أسهم في تلبية احتياجاتها الأساسية. المملكة دعمت دول الخليج بأسطول بري كبير جداً لتأمين احتياجاتها، فقد عبرت المملكة خلال الأزمة فقط، 166 ألف شاحنة إلى دول الخليج منها 60 ألف للأمارات وحدها.
الأزمات تفرض تحديات معقدة تتطلب حكمة في الإدارة، ونهجاً دبلوماسياً هادئاً بعيداً عن الضجيج. وتبقى الدروس حاضرة لمن أراد أن يقرأ المشهد بوعي ومسؤولية.
السفير م. دهام الدهام
عضو جمعية إعلاميون