لم تعد قوة الدول في عصرنا الحديث تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو إمكانات مادية، بل بما تملكه من وعيٍ مجتمعي قادر على فهم التحولات، والتمييز بين الحقيقة والزيف، وحماية المجتمع من محاولات التشويش والتضليل. فالوعي اليوم لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة وطنية، وخط الدفاع الأول الذي يحمي الأوطان من الفوضى الفكرية والارتباك المجتمعي.إن المجتمعات التي تمتلك وعيًا ناضجًا قادرة على مواجهة التحديات بثبات لأنها تدرك أن قوة الدولة لا تقوم على المؤسسات فحسب، بل على مواطن واعي يعرف مسؤولياته قبل أن يطالب بحقوقه، ويدرك أن استقرار وطنه جزء من استقراره الشخصي. ولهذا فإن بناء الوعي لا يقل أهمية عن بناء الاقتصاد أو تطوير البنية التحتية، لأنه يشكل الحصانة الحقيقية لأي مجتمع.وفي ظل الثورة الرقمية والانفتاح الإعلامي الواسع، أصبح تدفق المعلومات سريعًا ومتشعبًا، ما جعل التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على التمييز بين الخبر والمعلومة وبين الحقيقة والشائعة. فكم من روايات مضللة تصاغ بعناية لتشويش الرأي العام،وكم من رسائل ظاهرها النقد وباطنها محاولة إضعاف الثقة بالمجتمع والدولة. وهنا يتجلى دور الوعي بوصفه صمام أمان يحمي العقول من الانجراف خلف الضجيج الإعلامي أو الخطابات المتطرفة.لقد أدركت المملكة العربية السعودية مبكرًا أهمية بناء الإنسان الواعي، فكان الاستثمار في التعليم والثقافة والإعلام المسؤول جزءًا من مشروعها الحضاري. فالدولة التي تسعى إلى صناعة مستقبلها لا تكتفي بتطوير الاقتصاد فحسب، بل تعمل على ترسيخ الوعي لدى أفراد المجتمع، ليكون المواطن شريكًا في البناء والتنمية، لا مجرد متلقٍ للمنجزات.ومن هنا يصبح الوعي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمؤسسات التعليمية والثقافية، وتتعزز عبر الإعلام المسؤول والمنصات المعرفية. فكل كلمة تُكتب، وكل فكرة تُطرح، وكل رسالة تُنشر، إما أن تسهم في بناء الوعي أو في إرباكه.إن الأوطان لا تحفظ بالقوة وحدها، بل تُحفظ كذلك بالعقول الواعية التي تدرك قيمة الاستقرار، وتعرف أن أمن الأوطان لا يهدده العدو الخارجي فقط، بل قد تهدده الشائعات والأفكار المشوشة إن لم تجد مجتمعًا واعيًا يميز بين الحقائق والأوهام. ولهذا فإن الوعي ليس خيارًا إضافيًا في حياة المجتمعات، بل هو الركيزة التي تصان بها الأوطان وتبنى عليها مسيرة المستقبل بثقة وثبات.
نادية الجودي
@Nadiaaljoud
عضو جمعية إعلاميون