مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“الوقت النوعي”.. دفء الأسرة الصامت

كثيرًا ما نرى أفراد الأسرة مجتمعين في مكان واحد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يعيشون حالة تواصل حقيقية. ففي كثير من الأماكن، تحضر الأجساد وتغيب القلوب خلف الشاشات والانشغالات اليومية. هنا يبرز مفهوم الوقت النوعي (Quality Time) بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء العلاقات الأسرية، لا مجرد وقت يُقضى معًا.

الوقت النوعي لا يُقاس بعدد الساعات، بل بجودة التفاعل الإنساني. وهو أن يكون الفرد حاضرًا بكامل انتباهه، منصتًا دون مقاطعة، ومهتمًا دون تشتت. وتشير دراسات علم النفس الأسري إلى أن التفاعل الإيجابي المنتظم داخل الأسرة يسهم في تعزيز الشعور بالأمان النفسي، ويحد من مستويات التوتر والقلق، خاصة لدى الأطفال.

في مرحلة الطفولة، يشكل الوقت النوعي أساسًا لبناء الثقة والاستقرار النفسي. فالطفل الذي يحظى بلحظات صادقة من الاهتمام والإصغاء، يكون أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره، وأكثر توازنًا في تفاعلاته الاجتماعية. وتؤكد نظريات التعلّق أن جودة العلاقة بين الطفل ومقدمي الرعاية تنعكس بشكل مباشر على صحته النفسية وقدرته المستقبلية على بناء علاقات مستقرة. ليست الكمية هي العامل الحاسم، بل الإحساس الدائم بالاحتواء والقبول.

ولا تقل أهمية الوقت النوعي في العلاقة الزوجية، حيث يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على التوازن العاطفي. فالحوار الهادئ والمشاركة الوجدانية، بعيدًا عن ضغوط المسؤوليات اليومية، يسهمان في تقوية الروابط وتقليل فجوات الفهم. وتوضح أبحاث التواصل الزواجي أن تخصيص وقت منتظم للتفاعل الإيجابي يرفع مستوى الرضا والاستقرار داخل الأسرة.

كما يلعب دورًا مهمًا في تنمية الذكاء العاطفي لدى جميع أفراد الأسرة، من خلال تعزيز مهارات الإصغاء، وفهم المشاعر، وإدارة الخلافات بأسلوب صحي. وهي مهارات لا تُكتسب بالمواعظ، بل بالممارسة اليومية داخل بيئة أسرية تقوم على الاحترام والتفاهم.

في المقابل، يؤدي غياب الوقت النوعي إلى نشوء فجوة صامتة داخل الأسرة، قد تظهر في صورة عزلة عاطفية، أو ضعف في التواصل، أو برود في العلاقات، رغم التواجد المكاني المشترك.

ختامًا، فإن الاستثمار في الوقت النوعي داخل الأسرة ليس رفاهية، بل ضرورة تربوية وإنسانية. هو استثمار في الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي. هو لحظات قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع ذاكرة دافئة، وأفرادًا أكثر توازنًا، وأسرة أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بروح واحدة وقلوب متصلة.

 

أ. وفاء الشهري
‏@Wafa_aljanoob
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop