مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

بين السوق والتقنية.. أين تكمن المهارة الحقيقية؟

في كل مرة تظهر فيها طفرة تقنية جديدة، يتغير شكل السؤال؛ فلا يعود: ماذا نُعلِّم؟ بل: أيُّ فكرٍ نحاول تشكيله وسط هذا التسارع الهائل؟

هل نُعدّ الأجيال لمواكبة السوق؟ أم لمجاراة التقنية؟ أم لبناء مهارة قادرة على الصمود حتى بعد تغيّر السوق والتقنية معًا؟

لقد فرض الذكاء الاصطناعي على المؤسسات التعليمية حالة استنفار عالمية؛ فالجميع يسارع إلى إدخال أدواته في المناهج، وتدريب الطلاب على استخدام النماذج التوليدية والتحليل الذكي وصناعة المحتوى الرقمي. لكن، وسط هذا الاندفاع، ظهرت فجوة أعمق من مجرد فجوة تقنية، وهي فجوة في فهم معنى التطور نفسه.

فثمة ارتباك في علاقتنا بالتقنية؛ إذ لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت معيارًا يُقاس به مدى مواكبة الإنسان للعصر. فالذي لا يتقن أدوات الذكاء الاصطناعي يبدو وكأنه خارج النسق الحديث للعالم.

لكن المواكبة وحدها تجعل التعليم في حالة ملاحقة دائمة لكل تحديث جديد، دون رؤية واضحة لما يجب بناؤه. أما التطور الحقيقي، فلا يعني تعلّم استخدام التقنية فقط، بل فهم أثرها على التفكير واللغة والإنتاج، والقدرة على نقدها لا الانبهار بها.

وثمة فرق كبير بين أن يتعلم الطالب كيف يستخدم الأداة، وبين أن يفهم متى تُستخدم، ومتى قد تصبح مضللة، وكيف يوظفها بوعي.

إن أخطر ما قد يحدث للتعليم أن يتحول إلى رد فعل دائم تجاه السوق؛ فالسوق يبحث غالبًا عن الأسرع إنتاجًا والأقل تكلفة، بينما وظيفة التعليم أعمق من ذلك؛ إذ يفترض أن يبني عقلًا يمتلك التحليل، والاستقلال الفكري، والمرونة، والقدرة على إعادة تشكيل مهاراته مع كل تغير.

كما أن الأزمة الحقيقية ليست في التأخر التقني، بل في فقدان العلاقة العميقة بالمحاولة والتأمل والتفكير المستقل؛ فالتقنية تمنح وصولًا سريعًا إلى المعرفة، لكنها لا تصنع بالضرورة وعيًا أو تفردًا.

وربما لهذا تميل المجتمعات الحديثة إلى تعليم الأداة أكثر من تعليم المنهج، لأن الأداة تمنح نتائج أسرع، بينما يحتاج بناء العقل إلى وقت أطول.

فالسوق متغير، والتقنية متسارعة، لكن المهارة البشرية العميقة أكثر ثباتًا من كليهما؛ إذ قد تفقد الأداة قيمتها مع الزمن، بينما تبقى العقلية التحليلية ومنهجية التعلم المرنة قادرتين على إعادة بناء الإنسان مع كل تحول جديد.

لذلك، لا يكمن السؤال الحقيقي اليوم في: كيف نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم؟ بل في: كيف نصنع أفرادًا لا تبتلعهم السرعة؟

فنحن لا نحتاج فقط إلى أجيال تعرف كيف تواكب، بل إلى أجيال تعرف متى تتطور، ومتى تعترض، ومتى تتحدى ما يُفرض عليها بوصفه مستقبلًا حتميًا.

 

أروى الزهراني
‏@a10wa1
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop