مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

بين “السوق” و”المول”: صراع الهوية في شوارعنا المعاصرة

تخيل أنك تمشي في شريان نابض من شرايين مدنك الجميلة، تحاصرك أضواء المراكز التجارية الباهرة، وتتلاحق أمام عينيك لافتات صاخبة: Shopping Mall، Summer Festival، Food Court. تمضي بآلية، فيباغتك سؤالٌ قلق من الداخل: أين هويتنا في هذا الزحام؟ هل غابت العربية فعلًا، أم أننا ألفنا غيابها حتى غدا الصمت رفيقًا لا يُستغرب، وظلًّا لا يُفارق؟

إن المسألة لا تتعلق بمجرد كلمات نكتبها، بل بملامح نرسمها؛ فاللغة في الفضاء العام ليست حيادية، إنها الروح التي تبث الحياة في الجماد، وهي التي تجيب بصمت عن سؤال جوهري: لمن ينتمي هذا المكان؟ ومن يخاطب؟

فحين تتوارى العربية لصالح الإنجليزية، لا تتبدل الحروف على الواجهات فحسب، بل يتبدل الإحساس بالانتماء، وكأن المدينة أصبحت تتحدث بلسان غريب لا يشبه ملامح أهلها.

في موقف يختزل عمق هذه القضية، وقف الأمير تركي الفيصل أمام مجسم لمكة القديمة في فعالية مركاز البلد الأمين، وعندما لفت نظره نموذج لمركز تجاري حديث، استدعى ذاكرة “السوق الصغير” المحفور في وجدان المجاورين للحرم، متسائلًا بعفوية العارف وبساطة الحكيم: “لماذا نسميه مول؟ لدينا كلمة أعمق.. سوق”.

لم يكن هذا التساؤل لغويًا عابرًا، بل كان استدعاءً لذاكرة كاملة؛ فكلمة “سوق” في وجداننا ليست مجرد مساحة للتبادل التجاري، بل هي عالم يضج بالحياة؛ هي أصوات الباعة، وعبق التوابل، وفن المساومة، وحكايات الجيران. إنها تجربة إنسانية قبل أن تكون صفقة مالية.

أما “المول”، فهو منتج حداثي معلب، وبيئة مغلقة ومنعزلة تنتمي لنمط استهلاكي عابر للقارات، يمكن استنساخه في أي بقعة من العالم دون أن يترك أثرًا للهوية المحلية. وهنا يكمن الجوهر: العربية لا تقدم اسمًا بديلًا فحسب، بل تقدم سياقًا مختلفًا للحياة.

ولغتنا العربية الجميلة تتألق فوق ذلك بمزايا لا حصر لها؛ كنظام الاشتقاق والجذر اللغوي الذي يولّد من الكلمة الواحدة بستانًا من المعاني، وتنفرد بجماليات الإيجاز والبلاغة التي تختصر فصيح القول في أقل لفظ. هي لغة البيان والضاد التي تمنح المتحدث سعة في التعبير ودقة في وصف المشاعر، وتتوج ذلك كله بقدسية النص القرآني الذي حفظ لها رصانتها، وجعلها وعاءً للحضارة والجمال عبر العصور.

كثيرًا ما نقع في فخ “الهيبة اللغوية”، فنربط الأجنبي بالرقي والفرص، بينما الحقيقة أن العالم اليوم يبحث عن “الأصالة” لا عن النسخ المكررة. فالسائح الذي يزور بلادنا لا يريد نسخة من نيويورك أو لندن، بل يريد “روح المكان” التي لا تعبّر عنها إلا لغة أهلها.

كما أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل وعاء للهوية والذاكرة الجماعية. واستبدال العربية بالمصطلحات الأجنبية يضعف حضور الثقافة في وعي الأجيال، ويخلق نوعًا من “الإقصاء الناعم” الذي يجعل كبار السن والبسطاء يشعرون بالغربة في مدنهم.

ومما نفخر به في المملكة العربية السعودية أن هذا النقاش لم يعد نظريًا، بعد اعتماد مجلس الوزراء “السياسة الوطنية للغة العربية”، التي شكّلت نقطة تحول تعزز مكانة العربية كلغة سيادية، وهوية وطنية، وثروة ثقافية في قلب التنمية. فهي تنقل التعامل مع اللغة إلى إطار وطني شامل يدعم استخدامها في مختلف القطاعات، ويسهم في تطوير المحتوى العربي، ودعم البحث العلمي، وتوحيد المصطلحات، ورفع كفاءة التواصل المؤسسي، وتقليل التكاليف التشغيلية، كما تعزز حضور العربية رقميًا مع الحفاظ على الانفتاح ومواكبة التحولات العالمية.

واليوم، ينهض مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية بدور تاريخي لإعادة العربية إلى واجهة المشهد، تزامنًا مع مبادرات ثقافية وطنية أعادت صياغة علاقتنا بالهوية ككيان حي ينبض في تفاصيلنا اليومية.

إن التحدي لا يكمن في معاداة اللغات الأخرى؛ فالانفتاح نافذة على العالم، لكن الذوبان انتحار للهوية. إذ يمكن لمدننا أن تكون عالمية الطموح دون أن تخرس صوتها العربي، وأن ترحب بكل زوار العالم دون أن تخلع ثوبها.

يبدأ الحل حين ندرك أن العربية هي الأصل الثابت، وما سواها ترجمة داعمة. فنحن بحاجة إلى تقديم لغتنا بروح عصرية قادرة على احتواء الحداثة دون أن تفقد وقارها.

ففي النهاية، المدن التي تلبس لسان غيرها قد تبدو عصرية في الصور، لكنها تظل مدنًا بلا صدى؛ فالمدينة التي تفقد لغتها، تفقد أثمن ما تملك: هويتها وروحها.

وفي هذا السياق، أستحضر تجربة شخصية خلال عملي في إمارة منطقة مكة المكرمة، حيث حظيت بحضور العديد من الاجتماعات والفعاليات التي ترأسها مستشار خادم الحرمين الشريفين، أمير المنطقة، صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل على مدى أكثر من عقد. لم أسمعه يومًا يمزج العربية بالإنجليزية، رغم إتقانه لهما؛ وهو ما يعكس اعتزازًا راسخًا بلغة القرآن، لا بوصفها مجرد أداة تواصل، بل كهوية تُمارس بثقة.

وهذا الاعتزاز ليس استثناءً، بل سمة راسخة في هذا الوطن الذي يضع العربية في مكانها الطبيعي: في الصدارة.

 

د. فيصل الحازمي
@F_11iza
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop