بين المكان الذي نولد فيه، والمكان الذي تسكنه أرواحنا، تتشكل حكاية الإنسان، وتتوزع مشاعره بين ما فُرض عليه وما اختاره قلبه. فمسقط الولادة هو ذلك الإطار الأول الذي ننهل منه الفكر والعقيدة والمبادئ؛ بيئةٌ تُسهم في تشكيل الوعي، وقد ترفع من شأن الإنسان أو تحدّ من آفاقه، وفق ما تحمله من قيم وتجارب.
غير أن ثمة مسقطًا آخر، أكثر خفاءً وأشد حضورًا، لا تحدده الجغرافيا ولا تقيّده الحدود؛ إنه “مسقط القلب”. ذلك الموضع الذي قد يكون إنسانًا، أو مدينة، أو ذكرى عابرة، وربما مشهدًا في صحراء أو نجمةً في سماء. هناك، يجد الإنسان نفسه وقد أوى إلى شيء لا يملكه، ولا يستطيع دفعه، فيغدو أسيرًا لمعنى لا يُفسَّر، وحنين لا ينطفئ.
مسقط الولادة قدرٌ لا اختيار فيه، أما مسقط القلب فحالة تتجاوز الإرادة، وتفرض سطوتها على الشعور. قد نولد في مكانٍ ما، فنحمل أثره في أفكارنا وسلوكنا، لكن قلوبنا قد تُهاجر إلى موضع آخر؛ إلى شخصٍ لامس أعماقنا، أو إلى مكانٍ احتضن لحظة صادقة من الفرح أو الحنين. وربما يكون مجرد شارع مررنا به عابرين، فتركنا فيه شيئًا منا، ومضينا.
تتعدد مساقط القلوب، وكأنها تنبع من نهر واحد، تتشابه في أثرها رغم اختلاف صورها. هي حالات من التعلق الإنساني، تتشكل بين الذاكرة والوجدان، بين الماضي وما يُرتجى في المستقبل. وفي كل مرة، يجد القلب نفسه معلقًا بتلك اللحظة التي لا تُستعاد كما كانت، لكنها تبقى حاضرة في الإحساس، تُغذّي الشوق وتوقظ الحنين.
إن “مسقط القلب” ليس مجرد مكان، بل حالة وجودية يعيشها الإنسان؛ هو ذاكرة حيّة، وشعور متجدد، ومأوى معنوي كلما ضاقت به الحياة. وفيه تتجلى أعمق معاني الارتباط، حيث يصبح الحنين لغة، وتتحول الذكريات إلى وطنٍ بديل.
وفي “مدينة الحنين”، كما يمكن تسميتها، تتداخل المشاعر بين الألم والأمل؛ وجعٌ يُستعاد، وأملٌ يُرتجى. يظن الإنسان أنه يجد فيها خلاصه، فيعود إليها كلما أثقله الواقع، فتجبر شيئًا من كسره، وتمنحه قدرة على الاستمرار. غير أن هذا التعلق، على عمقه، يظل بحاجة إلى اتزان، حتى لا يتحول الحنين إلى عبءٍ دائم.
فالمشاعر بطبيعتها لا تخضع لقيد، وقد يجد الإنسان راحته في مسقط قلبه دون سببٍ واضح، أو معرفةٍ سابقة. إنها تلك الروابط الخفية التي تنشأ خارج حدود المنطق، وتصوغ عوالم داخلية من المعاني والانتماء.
ويبقى السؤال مفتوحًا: أين يقع مسقط قلبك؟ أهو حيث وُلدت، أم حيث شعرت أنك تنتمي؟ بين هذين الموضعين، تتحدد ملامح الرحلة الإنسانية، ويظل القلب هو الدليل… وهو الوجهة.
مارية السبيعي
@MariahAlsubaiee
عضو جمعية إعلاميون