في حياتنا، ليست كل القرارات تُولد بالطريقة نفسها، فهناك قرارات صغيرة، تتعطل فقط لأننا نؤجلها أكثر مما تستحق وهذه يكفيها شيء من الحسم، وقليل من الشجاعة، ودقيقتان صادقتان نبدأ بعدهما.
لكن في المقابل، هناك قرارات أخرى؛ لا تُؤخذ بالعجلة، ولا تُحسم تحت ضغط اللحظة، ولا يكفيها الحماس وحده ، قرارات تُغيّر مسار الإنسان، وتعيد تشكيل أيامه القادمة، وتترك أثرها لسنوات طويلة؛ كقرار الارتباط، أو تغيير المسار المهني، أو الانتقال، أو الدخول في مشروع مصيري، أو حتى الانسحاب من أمر استنزف الروح طويلًا ، هذه القرارات لا تحتاج سرعة… بل تحتاج نُضجًا.
ولعل من أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه، أن يخلط بين الحسم والاندفاع، وبين التأني والتردد، فليس كل تأخير ضعفًا، كما أن ليست كل سرعة قوة ، بعض القرارات يفسدها الاستعجال، كما تفسد الثمرة إذا قُطفت قبل نضجها.
وفي عالمٍ يُمجّد السرعة، ويحتفي بردّات الفعل الفورية، أصبح التأني يُفسَّر أحيانًا على أنه خوف، بينما هو في كثير من الأحيان علامة وعيٍ واتزان ، فالنفوس الناضجة لا تتخذ قراراتها لأنها متحمسة فقط، بل لأنها مطمئنة.
وهنا يتجلّى المعنى العميق للتؤدة؛ فهي ليست تعطيلًا للحياة، بل حمايةٌ لها من القرارات التي تُتخذ تحت ضجيج المشاعر، التؤدة أن تمنح نفسك فرصة لترى الصورة كاملة، لا الجزء الذي تُضيئه العاطفة فقط، أن تصمت قليلًا… حتى تسمع صوت الحكمة وسط ازدحام الرغبات ، أن تؤخر القرار لا هروبًا منه، بل احترامًا لأثره.
ولهذا جاءت الاستخارة في الإسلام بهذا المعنى العجيب ليست طلبًا لمعجزة، بل تربية للقلب على التسليم، وعلى البحث عن الطمأنينة قبل الإقدام.
وكأن الإنسان يقول: “يا رب، إن كانت بصيرتي محدودة، فأنت ترى ما لا أرى”. ثم تأتي الاستشارة؛ ذلك الاعتراف النبيل بأن الإنسان مهما بلغ من الوعي، تبقى لديه زوايا لا يراها وحده ، فالعقول الأخرى لا تعيش مشاعرنا، ولذلك قد ترى ما حجبه عنا التعلق أو الخوف أو الاندفاع.
والقرارات الكبرى تحديدًا، لا تحتاج فقط إلى التفكير في المكاسب، بل إلى التفكير في الأثمان أيضًا، ماذا سأخسر؟ ما الذي سيتغير داخلي بعد هذا القرار؟ هل أنا أهرب من ألم مؤقت، أم أسير نحو معنى حقيقي؟
وهل اختياري نابع من قناعة؛ أم من ضغط اللحظة؟
بعض القرارات لا يُعرف صوابها من شدة الحماس لها، بل من مقدار السلام الذي يبقى في القلب بعد أن يهدأ الحماس ، فالقرارات الناضجة تُشبه الأنهار العميقة؛ لا ضجيج فيها، لكنها تعرف طريقها جيدًا.
ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع النضج، أن الحياة لا تُدار بردّات الفعل، بل بالبصيرة ، وأن بعض الأبواب لا ينبغي أن تُفتح بسرعة، وبعض الكلمات لا ينبغي أن تُقال فورًا، وبعض الخطوات تحتاج أن نمشي إليها بهدوءٍ يليق بأثرها.
فنحن لا نندم دائمًا على القرارات التي تأخرنا فيها؛ لكن كثيرًا ما نندم على القرارات التي استعجلناها قبل أن تنضج أرواحنا لها.
ولهذا، ليست الحكمة أن تحسم كل شيء بسرعة، ولا أن تؤجل كل شيء خوفًا، بل أن تعرف: متى يكون الحسم شجاعة؟ ومتى يكون التأني بصيرة؟
د. جواهر الروقي
@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون