العلاقات الإنسانية تُبنى على جسور من الثقة والمودة، لكن هذه الجسور هشة أمام معاول النقد المستمر والعتاب المتكرر. العتاب في أصله محبة، وملح العلاقة كما تقول العرب، غير أن الملح إذا زاد أفسد الطعام. كثرة العتاب تحوّل دفء القرب إلى برودة الحذر، وتجعل الشريك أو الصديق يشعر أنه يعيش تحت مجهر دائم من اللوم. الإمام علي عليه السلام نبّه إلى هذا المعنى قديماً حين قال “لا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة، ويدعو إلى البغضاء”، وفي موضع آخر “الإفراط في الملامة يشب نار اللجاجة”. العلم الحديث جاء ليؤكد ما أدركته الحكمة القديمة: أن العتب حين يتجاوز حدّه يصبح معول هدم لا أداة إصلاح.
العتاب المتكرر هو في جوهره نقد موجّه لشخص الآخر لا لفعله، وهذا ما يجعله خطيراً. الدكتور جون جوتمان، الذي أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في دراسة العلاقات الزوجية، وضع “النقد” على رأس ما سماه “الفرسان الأربعة” المدمرين للعلاقة: النقد، والدفاعية، والازدراء، والجدار الحجري. ووجد أن النقد هو الفارس الأول الذي يدخل ساحة الحوار، لأنه حين يبدأ أحد الطرفين بتوصيف شريكه ووصفه بالخطأ بدلاً من وصف الفعل، فإن المحادثة كلها تتجه نحو الهاوية. وقد اكتشف جوتمان أن طريقة بدء المحادثة تحدد مصيرها بدقة تصل إلى 96%، فإذا بدأت بالنقد غالباً لن تنتهي بخير. النقد يهاجم الشخصية بقولنا “أنت دائماً” أو “أنت أبداً”، فيشعر المتلقي أنه مرفوض ككل، لا أن سلوكاً محدداً هو المرفوض. وهذا الهجوم يدفع الطرف الآخر للدفاع عن نفسه، فندخل في حلقة مفرغة من النقد والدفاعية يصعب الخروج منها.
والأخطر أن دماغ الإنسان منحاز بطبيعته للسلبي أكثر من الإيجابي. علماء النفس يسمون هذا “انحياز السلبية”، وهو أن الأحكام الاجتماعية تتأثر بالمعلومات السلبية أكثر من الإيجابية. ولهذا السبب، كما تشرح أبحاث جامعة كورنيل، فإن تعليقاً واحداً جارحاً يعلق في الذاكرة أكثر من عشرة مواقف لطيفة، وأن الأشخاص الذين يحملون تقييمات ضمنية سلبية عن شركائهم يميلون لرؤية السلوك السلبي في التفاعلات اليومية، وهذا بدوره يتنبأ بانخفاض الرضا عن العلاقة بعد ثلاثة أشهر. بعبارة أخرى، كثرة العتاب تبرمج عقل شريكك على توقع اللوم، فيبدأ يرى تصرفاتك العادية على أنها هجوم، وتتراكم الصورة السلبية حتى تطغى على كل ما هو جميل.
لهذا السبب حذر الحكماء من الإكثار من العتاب. بشار بن برد لخصها شعراً: “إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه”، والمثل الشعبي يقول “كُتْرِ الْعِتَابْ يِفَرَّقِ الْأَحْبَابْ”. فالناس بطبيعتها تكره اللوم، ومن يكثر اللوم والعتاب لا يجتمع حوله أحد. العتاب الكثير يستنزف رصيد المحبة، لأن كل عتاب يسحب من بنك المشاعر أكثر مما تودعه لحظات الود. ومع الوقت تتحول العلاقة من مساحة أمان إلى قاعة محاكمة، ويختفي التلقاء ليحل محله الحذر. الشريك يبدأ يزن كلماته ويخشى أن يُفهم خطأ، والحذر يقتل الألفة.
وفي العلاقات الزوجية تحديداً، تظهر خطورة الأمر بالأرقام. دراسات جوتمان توصلت إلى ما سماه “النسبة السحرية” وهي خمسة تفاعلات إيجابية مقابل تفاعل سلبي واحد أثناء الخلاف للحفاظ على علاقة صحية. فإذا غلب العتاب والنقد، واختلت هذه النسبة، تبدأ العلاقة في الانهيار. وقد تمكن جوتمان من التنبؤ بالطلاق بدقة تجاوزت 90% عندما رصد وجود الفرسان الأربعة، وأخطرها الازدراء الذي يأتي غالباً بعد تراكم النقد. العتاب الذي يبدأ بشكوى محددة يمكن إصلاحه، وهو حين يتحول إلى هجوم على الشخصية يصبح مدمراً، لأنه يوصل رسالة بأن “هناك خللاً جوهرياً فيك كإنسان”.
العلم العصبي يضيف بعداً آخر. دراسات الجهود الدماغية أظهرت أن المحفزات السلبية تثير استجابات أسرع وأقوى من الإيجابية، وأن موجة P200 المرتبطة بالانتباه تكون أعلى وأسرع استجابة للمنبهات السلبية. أي أن دماغنا مبرمج بيولوجياً لالتقاط العتاب والتوبيخ وتضخيمه، بينما يحتاج للإشادة والامتنان جهداً أكبر ليدركها ويخزنها. لذلك قال علماء النفس إن “السلبي يتكلم بصوت أعلى من الإيجابي”، فكلمة عتاب واحدة قد تمحو أثر أيام من المودة.
كثرة العتب إذن لا تُصلح، وهي تكدّر. هي تزرع الضغينة كما قال الإمام علي “فإنه يورث الضغينة”، وتشعل نار اللجاجة والعناد. والحكمة تقتضي أن نميز بين العتاب الذي هو “حياة المودة” حين يكون لطيفاً نادراً وفي وقته، وبين العتاب الذي هو موت للمودة حين يصبح عادة يومية. جوتمان يوصي باستبدال النقد بـ “البداية اللطيفة”: أن تعبر عن شعورك وعن حاجتك دون اتهام، فتقول “شعرت بالوحدة حين تأخرت” بدلاً من “أنت دائماً تهملني”.
المحبة الحقيقية تتطلب التغافل. الشافعي عبّر عنها بقوله “من صدق في أخوة أخيه قَبِل عِلله، وسدّ خلله، وغفر زلته”. والعلاقات الناجحة ليست تلك الخالية من الخطأ، وهي تلك التي يغلب فيها رصيد المودة على أخطاء العتاب. فالقلوب إذا كثر عتابها ملت، وإذا ملت جفت، وإذا جفت تفرقت. وخير العتاب ما كان كالدواء: قليلاً، في وقته، ولعلة واضحة، أما الإفراط فيه فسمٌّ يقتل الود وإن كانت نيته الإصلاح.
د. علي الحازمي
@consultant1st
عضو جمعية إعلاميون