مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

تفطير الصائمين في الحرمين.. بين التنظيم وروح الشعيرة

تفطير الصائمين في الحرمين الشريفين ليس مجرد عملٍ خيري موسمي، بل هو عادة ضاربة في عمق التاريخ، توارثها الأبناء عن الآباء، وحملها الأجداد جيلاً بعد جيل، ابتغاء الأجر والمثوبة، وتعظيمًا لشعيرةٍ عظيمة في أطهر بقاع الأرض.

كان المتطوعون والقائمون على هذه الموائد يضعون قلوبهم قبل أيديهم، ويجتهدون أن يكون الإفطار لائقًا بقدسية المكان، من حيث الجودة، والنظافة، وحسن التنظيم، بل وكانوا يعدّون ذلك شرفًا قبل أن يكون عملاً، وكان البُعدان الإنساني والإيماني واضحين.

لكن هذه الصورة بدأت تتغير في السنوات الأخيرة، بعد وضع تنظيم يوجّه المتبرعين والراغبين في تفطير الصائمين إلى الالتزام بالتعاقد مع شركات إعاشة محددة، تعتمد في تنفيذها على عمالة أجنبية، من دون أي تدخل من أهل الخير، ويقتصر دورهم على تقديم المال فقط، لتتحول المبادرة من مشاركة روحية وإنسانية إلى مساهمة مالية بحتة.

ولا خلاف على أهمية التنظيم، ولا على حرص الجهات المختصة – مشكورة – على السلامة والصحة العامة، غير أن التساؤل المشروع الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: هل جاء هذا التنظيم على حساب روح الشعيرة وجودة ما يُقدَّم للصائمين؟

ومن السهولة ملاحظة أن مستوى الإفطار المقدَّم لم يعد كما كان في السابق، سواء من حيث التنوع أو الجودة، بل إن بعض الموائد باتت تفتقر إلى الحد الأدنى مما اعتاده الصائمون عبر عقود طويلة، وهو ما يتطلب إعادة النظر في التنظيم، لا سيما حين يُقارن بما كان يُقدَّم سابقًا من أصناف بسيطة لكنها مُعدّة بعناية وحرص ومحبة.

إن تفطير الصائمين في الحرمين يمثل عبادةً وشعيرةً ومظهرًا من مظاهر التراحم والتكافل التي عُرفت بها هذه البلاد، وكان للمجتمع دور أصيل فيها، مشاركةً وتنفيذًا وإشرافًا.

من هنا، فإن بعض أهل الخير يرون أهمية إعادة التوازن لتفطير الصائمين في الحرمين، من خلال تنظيم يحفظ السلامة من دون أن يُقصي المجتمع، وبإشراف يضمن الجودة من دون أن يُفرغ الشعيرة من معناها الإنساني والإيماني، وإتاحة مساحة لأهل الخير ليكونوا شركاء بالفعل لا ممولين فقط.

إن بقاء إفطار الصائمين في الحرمين الشريفين كما كان دائمًا؛ عبادةً خالصة، وجودةً تليق بالمكان، وروحًا تعكس عظمة الشعيرة وقدسية البقعة، وسخاء وكرم أهل هذه البلاد في شهر الخير والبركة.

 

ماجد العكفي
‏@majidalakfi
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop