لعلي أستعيد في الذاكرة بعضًا من رؤيتي لهذه الحرب في مقالين سابقين: الأول بعنوان «28 فبراير.. مخاض وولادة مشوهة»، والآخر بعنوان «الدبلوماسية السعودية في مواجهة نيران الحرب».
اليوم تتكشف الصورة، وترتفع الأصابع عن الزناد، وتبقى البنادق منصوبة لفترة مخاض تمتد إلى 60 يومًا، قد تقوي الضعيف وتضعف القوي. ستون يومًا تعود فيها إيران إلى الساحة السياسية والاقتصادية بلا قيود على التصدير وجلب الأموال، ومذكرة تبيّض اسم إيران التي كان التعامل الأدنى معها محظورًا.
ما نُشر وأُعلن عن مذكرة الاتفاق، أو الاتفاق المذكرة، لا يمكن أن يكون مخاض حرب ذات أهداف نبيلة، لما يمكن أن يمثله من تهديد وجودي لأطرافها، وحماية للأمن والسلم الإقليمي والدولي، وإن كنت لا أغفل أن لها مصالح خفية لا تخدم المصلحة العامة، بل هي أهداف أبعد وأكثر خصوصية لبعض أطرافها.
ووفقًا لمعطيات الواقع السياسي والجغرافي لإيران، يتمثل السلوك الإيراني في شقين؛ الأول ما يهم جغرافية الإقليم السياسية، والمتمثل بالطموح الإيراني من خلال التدخلات في دول الجوار، وعبر أذرع مزروعة خلقت عدم الاستقرار والتوترات المستمرة، وما تحلم به من تصدير الثورة الخمينية إلى تمدد النفوذ في مفاصل مهمة بدول الجوار. ولن أتردد حين أشير إلى الوجود الإيراني في العراق ولبنان واليمن، وفي سوريا التي كان الوجود الإيراني فيها جزءًا من دعم النظام البائد في قتال شعبه.
أما الشق الثاني، فهو ما يراه العالم تهديدًا للأمن الدولي، والمتمثل في برنامج إيران النووي. ومع كل المحاولات والقرارات الدولية لتنظيم الشأن النووي على المستوى الدولي من خلال المنظمات ذات العلاقة، إلا أن الصلف الإيراني في عدم الانصياع للشروط الدولية المنظمة لنشاط هذا البرنامج ومستويات التخصيب ظل قائمًا، وإن باركته مجموعة (5+1) بتوقيع الجانب الأمريكي بقيادة الرئيس الأسبق باراك أوباما بتاريخ 15 يوليو 2015 على الاتفاق المتعلق ببرنامج إيران النووي، والذي كانت الإدارة الأمريكية تراه «اتفاقًا شاملًا وطويل الأجل مع إيران سوف يمنعها من الحصول على سلاح نووي»، وبفضله يستطيع المجتمع الدولي التحقق من أن إيران لن تطور سلاحًا نوويًا.
هذه الحرب، وأعمالها العسكرية التي استمرت لأكثر من أربعة أشهر، تمخضت عن بيان في بنوده الأربع عشرة، أقل ما يوصف به أنه انتصار للمنهزم، بل إن هناك من يرى أن طهران خرجت أقوى من ذي قبل إقليميًا، ولم تُقلع أنيابها ومخالبها التي كانت تهدد دول الجوار وتزعزع الأمن الإقليمي والدولي.
ومما يثير الريبة والشك أن الرئيس الأمريكي ترمب، الذي دخل هذه الحرب بالقوة التي كان يتحدث بها، لم يُلقِ بالًا أو توجسًا من برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، إضافة إلى التجاهل التام لكل الاعتداءات الإيرانية وأضرارها التي طالت دول الخليج. ويأتي البيان بمكافأة إيرانية تتمثل في مشروع إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني.
ورغم أن السلم مطلب إنساني: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾، إلا أن التاريخ لم يذكر يومًا أن المنهزم، بدلًا من أن يخضع لشروط الاستسلام، يضع شروط النهاية، ويخرج من الحرب بمزايا لم تكن لتتحقق لو لم تُشن هذه الحرب؛ رفع العقوبات، ورفع تجميد الأرصدة، وشرعنة إنتاج وامتلاك الصواريخ الباليستية، والبقاء والتمدد عبر وكلاء إيران في دول الجوار، وحتى شريان النقل البحري الذي يؤدي إغلاقه إلى خنق الحركة التجارية وخلق الأزمات الاقتصادية في أنحاء العالم، وبعد أن كان ممرًا دوليًا مفتوحًا أُطلقت يد إيران للتحكم به.
وأعود فأذكر أن قيادة بلادي -وفقها الله- لم تكن بعيدة عن هذه الأجواء، فقد كانت من نادى بعدم اللجوء إلى العمليات العسكرية لحل هذه النزاعات، وعملت بالطرق الدبلوماسية، وأسهمت في دعم الجهود الرامية إلى إيقاف هذه الحرب، وذلك ببعد نظر وحكمة، وعدم الانجرار خلف الاستفزازات والاعتداءات الإيرانية للانخراط في حرب تدرك بلادي أبعادها وأهداف من أشعلها، كما تدرك أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن الحكمة تكمن في التعامل مع إيران بما يحقق المصالح المشتركة بعيدًا عما يهدد المنطقة.
وأعود إلى نقاط مهمة في بحر المعلومات المتلاطم بسبب التصريحات اليومية لقادة هذه الحرب وأهدافها الأبعد. فقد صرح السيد ترمب بأنه لا اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب إلا إذا وقعت وانتسبت دول، مثل المملكة وبعض الدول الإسلامية، إلى الاتفاقية الإبراهيمية. وكان رد بلادي، بحسب ما نقلته المصادر، أنه لا توقيع ولا انضمام يخدم الكيان المحتل إلا بالشروط التي تراها المملكة محققة للسلام والأمن والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في دولته المستقلة.
أما وقد وُقعت مذكرة الاتفاق بين طرفي الحرب، فقد أكد سمو وزير الخارجية، وتأكيدًا على المواقف الرسمية للدولة، أن الهجمات الأخيرة لإيران على المملكة ودول الخليج الأخرى أدت إلى «فقدان كبير للثقة» في طهران، وأن هذه الثقة يجب إعادة بنائها قبل أن يتمكن التعاون الاقتصادي من الحدوث. وهي رسالة دبلوماسية حازمة تعكس صلابة الموقف، وحكمة التوجه، وبعد النظر.
وأعيد ما يمكن اعتباره مطلبًا عالميًا، وهو أن هذه المنطقة، بكل الثقافات التي تزخر بها، وبكل المقومات الجيوسياسية والمنابع الاقتصادية التي تملكها، لا تقبل من يشعل فتيل الصراعات والحروب، وأن التنمية والتطور لا يتحققان إلا في أجواء من السلم والاستقرار، قائمة على احترام الحقوق والحدود.
السفير م. دهام الدهام
عضو جمعية إعلاميون