في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبح مجالًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه السلوك الاجتماعي. ومع هذا التأثير المتنامي، برز مفهوم الأمن المجتمعي الناعم بوصفه أحد الأبعاد الحديثة للأمن، الذي لا يقوم على المنع أو الردع المباشر، بل يُبنى على تعزيز الوعي، وترسيخ القيم، وضبط الخطاب المؤثر في المجتمع، وفي مقدمة ذلك المحتوى الرقمي.
ويُقصد بالأمن المجتمعي الناعم ذلك النوع من الحماية غير المباشرة التي تستهدف صيانة النسيج الاجتماعي من التأثيرات السلبية التراكمية، مثل تطبيع السلوكيات غير المقبولة، أو إضعاف منظومة القيم، أو نشر خطاب الكراهية والتضليل، وهي أخطار لا تُعد تهديدًا أمنيًا تقليديًا، لكنها قادرة على إحداث خلل عميق في الاستقرار الاجتماعي على المدى البعيد. ومن هذا المنطلق، يبرز تنظيم المحتوى الرقمي كركيزة أساسية لتعزيز هذا النوع من الأمن.
وقد فرض الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي واقعًا جديدًا، أصبح فيه كل مستخدم منتجًا محتملًا للمحتوى، ومؤثرًا في الرأي العام، ما استدعى وجود أطر تنظيمية توازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية. وفي هذا السياق، جاءت الضوابط التي أصدرتها الهيئة العامة لتنظيم الإعلام بوصفها استجابة واعية لهذا التحول، حيث ركزت على حماية الذوق العام، وتعزيز الهوية الوطنية، واحترام القيم الاجتماعية، دون أن تصادر حق التعبير أو الإبداع.
وشملت هذه التنظيمات الحد من عدد من الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى الرقمي غير المنضبط، مثل التنمر الإلكتروني، والتحريض على الكراهية، ونشر المعلومات المضللة، وانتهاك الخصوصية، إضافة إلى المحتوى المخالف للذوق العام أو الذي يروّج لأنماط سلوكية تتعارض مع القيم المجتمعية السائدة. وهي ممارسات قد تبدو فردية أو عابرة، لكنها في مجموعها تمثل تهديدًا صامتًا للأمن المجتمعي إذا تُركت دون تنظيم.
اللافت في التجربة السعودية أن تنظيم المحتوى الرقمي لم يُبنَ على منطق التضييق، بل على مبدأ التقويم والتوجيه. فقد أكد معالي وزير الإعلام أن الغالبية العظمى من المحتوى الرقمي المتداول في المملكة يتسم بالإيجابية، وأن نسبة الظواهر السلبية لا تتجاوز نحو 1%، وهو ما يعكس نجاح الأطر التنظيمية، وارتفاع مستوى الوعي لدى صناع المحتوى والجمهور، إلى جانب التزام المنصات بالضوابط المعتمدة.
وقد أسهمت هذه التنظيمات في توجيه صناع المحتوى نحو الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية، والحد من انتشار الرسائل المسيئة أو التحريضية، كما عززت ثقافة التفاعل الواعي، حيث بات عدم التفاعل مع المحتوى المخالف أحد أكثر الوسائل فاعلية في تقليص انتشاره. وهو ما يؤكد أن الأمن المجتمعي الناعم لا يتحقق فقط عبر الأنظمة، بل من خلال شراكة واعية بين الجهة المنظمة، وصانع المحتوى، والمستخدم.
ومع ذلك، يظل التحدي قائمًا في مواكبة التطور السريع للمنصات الرقمية وأساليب التأثير الجديدة، الأمر الذي يتطلب تحديثًا مستمرًا للتشريعات، وتكاملًا أكبر بين الجهات التنظيمية والتعليمية والإعلامية، لترسيخ ثقافة رقمية مسؤولة، قادرة على حماية المجتمع دون أن تعيق الابتكار أو حرية الرأي.
في المحصلة، يمثل تنظيم المحتوى الرقمي في المملكة أحد أهم أدوات تعزيز الأمن المجتمعي الناعم، من خلال حماية الوعي الجمعي، وصيانة القيم، وتعزيز الهوية الوطنية في الفضاء الرقمي. وهو نهج ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء مجتمع حيوي، وإعلام مسؤول، وبيئة رقمية آمنة تسهم في استقرار المجتمع وتماسكه، لا في إضعافه أو تفكيكه.
د. فيصل الحازمي
@F_11iza
عضو جمعية إعلاميون