في عالمٍ تتزايد فيه الصراعات، وتتسارع وتيرة الخلافات، تبرز حاجتنا الملحّة إلى العودة إلى أدب الخصومة الذي أرست قواعده الشريعة الإسلامية في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ فهو ليس مجرد خُلُقٍ عابر، بل استراتيجية حياة متكاملة تهدف إلى تحويل العداوة إلى مودة، وبناء مجتمع يسوده الوئام بدلًا من الخصام.
لقد وضع القرآن الكريم قاعدةً ذهبيةً في التعامل مع الإساءة حين قال الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. فهذه الآية لا تدعونا إلى السكوت على الإساءة فحسب، بل تحثّنا على المبادرة بالفعل الإيجابي الراقي؛ لأن الحسنة لا تستوي مع السيئة، لا في ميزان الله، ولا في أثرها النفسي على القلوب. فعندما تُقابل الكلمة الجارحة بعبارة طيبة، فإنك لا تمتص غضب الآخر فقط، بل تُحدث في نفسه صدمةً أخلاقيةً تعيد ترتيب مشاعره وحساباته، حتى يتحول الذي بينك وبينه عداوة إلى {وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.
ولم يغفل المنهج النبوي طبيعة النفس البشرية وما يعتريها من غضبٍ وانفعال، فجاء الحديث الشريف ليضع حدًا زمنيًا للقطيعة، فقال ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ». فهي مهلة تهدأ فيها النفوس، لكنها لا تفتح باب التدابر الطويل. والأجمل من ذلك أن النبي ﷺ منح وسام الخيرية لمن يكسر حاجز الصمت أولًا، فقال: «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». فالمبادرة بالسلام ليست انكسارًا، بل سموٌّ أخلاقي، ودليلٌ على قوة الشخصية ونُبل النفس.
إن هذا الرقي في التعامل ليس متاحًا لكل أحد، بل هو اصطفاء ومنحة ربانية وصفها الله تعالى بقوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}. فالصفح يحتاج إلى صبرٍ على كبرياء النفس، وتجاوزٍ لمرارة الموقف، أما الجزاء فليس مجرد راحة دنيوية، بل هو «حظ عظيم» يمتد أثره إلى نيل رضوان الله، والفوز بجناته التي أُعدّت للمتقين: {الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}.
وفي لحظات الخصومة ينشط الشيطان ليؤجّج نار الفتنة، وهنا ترشدنا سورة فصلت إلى المخرج الآمن بقول الله تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}.
فالاستعاذة هنا اعترافٌ بضعف النفس البشرية أمام نزغات الغضب، ولجوءٌ إلى القوة الإلهية حفاظًا على سلامة الصدر ونقاء القلب.
إن العفو والصفح ليسا من شيما الوفاء فقط، بل من أخلاق النبلاء الأقوياء. فإذا أردت أن تعيش بقلبٍ سليم، وتنال الحظ العظيم عند الله، فابدأ أنت بالسلام، واجعل «التي هي أحسن» منهجك وسلاحك في كل ميدان.
إبراهيم الشراري
@asalshriri
عضو جمعية إعلاميون