كم مرة شعرت أنك تنكسر من كلمة، ومع ذلك لا تتراجع عن عهد أعطيته؟ فعندما يصف المرء ذاته بقوله “أنا مثل الزجاجة سريع الكسر، ومثل الجبل ثابت الوفاء والود”، فهو لا يقدم تشبيهًا عابرًا، وإنما يبوح باعتراف صادق بثنائية تسكن النفس البشرية. هذه الجملة تكشف عن توتر داخلي جميل بين الرقة التي تجعل الإنسان يتأثر، والرسوخ الذي يجعله يثبت عند العهد. ودعوة للتأمل كيف يجتمع الضعف الظاهر مع القوة الخفية في تكوين واحد متسق.
فالزجاجة هنا ليست رمزًا للضعف، وإنما للشفافية والحساسية التي تجعل صاحبها يتأثر بأبسط المواقف ويحفظ أثر الكلمة في قلبه. إنه إنسان لا يتدرع بالقسوة، لذلك يسهل عليه أن يُجرح، وجرحه لا يعني أنه هزيل، وإنما يعني أنه ما زال حيًا يشعر ويتفاعل مع العالم من حوله.
ومن هذا الانكسار الداخلي ينهض الجبل. يقف صامتًا راسخًا ليكمل الصورة، فإذا انكسرت الزجاجة، فإن الجبل هو الذي يثبت عند العهد ولا يهتز. الوفاء عنده ليس مجاملة ولا رد فعل لحظي، وإنما خلق راسخ يصعب عليه أن يخون أو ينسى من أحب.
ولأن المعنى يحتاج إلى صوت يلمسه القلب، نختمه بهذه الأبيات:
أنا زُجاجٌ إن مسّني الحرفُ انصدعتْ
روحي فما أخفي الأذى ولا أجحدُ
رقّي يفضحني إذا ما غاب الوفا
والدمعُ في عينيّ لا يتردّدُ
لكنّني جبلٌ إذا عُقِد الهوى
وقُدّ عهدي لا أزولُ وأثبتُ
أرعى الودادَ ولو تناءتْ داركم
وأصونُ ما في القلبِ لا أتبدّلُ
هكذا يلتقي الهشاشة والرسوخ في ذات واحدة، وكأنهما وجهان لعملة واحدة اسمها الإنسانية. فالإنسان الذي يجمع بين رقة الشعور وثبات الوفاء هو أكثر الناس قدرة على الحب وعلى الصون. قلبه يتألم بسهولة لأنه يحب بعمق، ونفسه لا تبيع الود لأنها عقدت النية على البقاء.
د. علي الحازمي
@consultant1st
عضو جمعية إعلاميون