مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

ثورة “التمكين” لا “الرعاية”

ملامح التحول الهيكلي في لائحة الجمعيات والمؤسسات الأهلية
يشهد القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية انعطافة تاريخية تقودها التعديلات الأخيرة في اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الصادرة عن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي. هذه التعديلات ليست مجرد تحسينات إجرائية، بل هي “مانيفستو” جديد يعيد تعريف دور المجتمع المدني بما يتواكب مع طموحات رؤية 2030.
أولاً: من “موزع مساعدات” إلى “محرك نهضة”..
لعقود مضت، ارتبطت الجمعيات الأهلية في الذهنية العامة بصورة “مقدم المعونة” للفقراء والمحتاجين. اليوم، تأتي هذه التعديلات لتحدث ثورة مفاهيمية كبرى:
الانتقال الهيكلي: خروج القطاع من عباءة الاقتصاد الرعوي الاستهلاكي إلى الاقتصاد التنموي المستدام.
الدور التنموي: التحول إلى مساهم رئيسي في الناتج المحلي الإجمالي، وشريك استراتيجي في قطاعات التعليم والصحة والابتكار.
ثانياً: استشراف القيادة.. القطاع الثالث كـ “مشغل سيادي”..
وهنا نستحضر ما رسمه الملهم سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قبل سنوات ، حين سُئل عن التوجه نحو خصخصة القطاعات، فكانت إجابته هي خارطة الطريق لما نشهده حالياً، حيث قال سموه:
“لو نظرنا للدول المتقدمة نجد أن القطاع الصحي والتعليمي مشغل بشكل كبير من قبل القطاع الخاص والقطاع غير الربحي”.
هذا التصريح يؤكد أن الهدف الأسمى هو تهيئة البيئة التشريعية لنجد قريباً الجامعات، والمستشفيات، ومراكز الأبحاث الكبرى تُدار وتُشغل كلياً من قبل القطاع غير الربحي، أسوة بأعرق المؤسسات العالمية مثل “جامعة هارفارد” أو “مستشفى مايو كلينك”، مما يضمن جودة الخدمة واستدامة الموارد.
ثالثاً: غربلة القطاع والاندماجات الكبرى..

تحمل اللائحة الجديدة في طياتها “تصحيحاً طبيعياً” للمشهد، يتلخص في:
خروج المتعثرين: استبعاد الكيانات التي لم تستطع مواءمة أهدافها مع معايير الحوكمة الحديثة.
الاندماجات الاستراتيجية: نشوء كيانات ضخمة تمتلك الملاءة المالية والخبرة اللازمة للاستحواذ على الفرص الكبرى التي تتيحها الدولة –أيدها الله– لهذا القطاع.
رابعاً: دخول العمالقة.. الشركات التجارية كلاعب غير ربحي..
من أبرز التحولات الجوهرية هو السماح للشركات التجارية بتأسيس جمعيات ومؤسسات أهلية تابعة لها، مما سيؤدي إلى:
تركيز المانحين: تحول الشركات من منح التبرعات لجهات خارجية إلى استثمار مسؤوليتها الاجتماعية عبر أذرعها الخاصة.
الاستحواذ النوعي: إمكانية استحواذ الشركات الكبرى على جمعيات قائمة لنقل “احترافية الإدارة” من القطاع الخاص إلى العمل الأهلي.
خامساً: المورد الملياري.. الشراكة في “المنافسات الحكومية”
انتقل الدعم الحكومي من الإعانات المباشرة إلى “التمكين الاقتصادي الشامل” عبر فتح باب المنافسات والمشتريات الحكومية أمام الكيانات غير الربحية.
الرابح الأكبر: هو الكيان المستعد إدارياً وفنياً “لينهل” من هذا المورد الكبير، حيث ستتحول الجمعيات المحترفة إلى “مقاول تنموي” يعيد ضخ أرباح العقود في المجتمع، مما يخلق دورة اقتصادية مستدامة.
سادساً: استقطاب الكفاءات العالمية.. كسر سقف مجالس الإدارة
في خطوة تعكس الانفتاح، سمحت التعديلات لغير السعوديين من المؤهلين والخبراء بالانضمام لعضوية مجالس إدارة الجمعيات. هذه الاستراتيجية تهدف إلى:
جلب الخبرات الدولية ونقل المعرفة التقنية.
تعزيز الحوكمة بمعايير عالمية تضمن منافسة القطاع السعودي إقليمياً ودولياً.
خاتمة: عصر الاستحقاق الوطني
إن هذا التعديل الجذري يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية؛ فالقطاع اليوم لم يعد مجرد “عمل خيري” تطوعي، بل هو قطاع مهني احترافي يطير به الوطن نحو آفاق التنمية المستدامة، محققاً رؤية القيادة في جعل القطاع الثالث ركيزة لا غنّى عنها في بناء الدولة الحديثة.

 

د. أحمد السالمي
‏@drahmedalsalemi
عضو جمعية إعلاميون

 

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop