مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

جمعية “بركم”.. في ظلال الكعبة

كيف تُعيد جمعية سعودية تعريف الشيخوخة بكرامة وإنسانية؟ هم بنوا الوطن؛ واليوم يحتاجون من يُذكّر الوطن بفضلهم.
في مكة المكرمة، حيث تمتزج الرحمة بالمكان، وتتعاظم قيمة الإنسان في حضرة البيت الحرام، تقف جمعية بالوالدين إحساناً (بركم) كنموذج سعودي مختلف، لم يكتفِ بتقديم الرعاية لكبار السن، بل أعاد تعريف معنى “الشيخوخة” نفسها.

فهنا… لا يُنظر إلى كبار السن باعتبارهم مرحلة عمرية متأخرة، بل باعتبارهم ذاكرة وطن، وخزان قيم، وامتداداً إنسانياً لا يمكن لمجتمع حي أن يتخلى عنه.
ومن قلب مكة، اختارت “بركم” أن تجعل “بر الوالدين” مشروعاً حضارياً لا مجرد قيمة وعظية، وأن تحوّل الرحمة إلى عمل مؤسسي يُقاس أثره، ويُبنى بمنهجية واستدامة.
الشريحة التي لا تُقاس بالأرقام
في المجتمع السعودي، لا توجد فئة تحمل من الرمزية والقيمة مثل كبار السن والوالدين. فهم شهود التحولات الكبرى… عاشوا بدايات هذا الوطن، ورافقوا سنواته الأولى، وحملوا قسوته وبساطته قبل أن يرى العالم صورته الحديثة. حكاياتهم ليست مجرد ذكريات شخصية، بل ذاكرة مجتمع كاملة.

وفي زمن تتسارع فيه الحياة وتتبدل القيم، يبقى كبار السن الخزان الحي لمعاني الصبر والاكتفاء والوفاء والسكينة. أما في مكة المكرمة تحديداً، فإن خدمتهم تأخذ بُعداً روحياً أعمق؛ لأن كثيراً منهم يأتون باعتبارهم ضيوفاً للرحمن، يحملون أحلام العمر الأخيرة بزيارة البيت الحرام بكرامة وطمأنينة.

ويقف أبو خالد، البالغ من العمر 78 عاماً، بجانب إحدى سيارات برنامج “مخدوم”، ممسكاً بعكازه، بينما يلمع في عينيه شعور لم يختبره منذ سنوات. ويقول: “قبلها، كنت أنتظر أياماً حتى يتفرغ أحد أبنائي ليأخذني إلى المستشفى؛ اليوم أذهب وحدي متى شئت. شعرت أنني عدت إنساناً”.
فالجمعية لا تكتفي بتقديم خدمة نقل، بل تعيد للإنسان استقلاليته، وتمنحه إحساسه بالكرامة، وتخفف عنه شعور “الثقل” الذي قد يلاحق بعض كبار السن في مجتمعات تتسارع فيها الحياة.

وهنا يتحول “البر” من إحسان مؤقت… إلى استعادة كاملة للكرامة الإنسانية. ولا يقتصر أثر الجمعية على كبار السن وحدهم، بل يمتد ليصنع وعياً جديداً لدى الشباب.

تقول سارة، إحدى المتطوعات في برنامج “مؤانسة مسن”: “كنت أرى كبار السن مجرد فئة تحتاج المساعدة… لكنني اليوم أرى في كل واحد منهم قصة وطن، وتاريخ أسرة، وتضحيات لا تُقدّر بثمن. البر لم يعد واجباً؛ بل شرفاً”.

هذا النوع من العمل التطوعي لا يصنع ساعات تطوع فقط، بل يصنع جيلاً أكثر إنسانية. والتحدي الحقيقي؛ تغيير النظرة. ورغم النجاحات، تؤكد الجمعية أن التحدي الأكبر لم يكن التمويل، بل تغيير النظرة المجتمعية.
فلا تزال بعض الأسر تنظر إلى كبير السن باعتباره “عبئاً” يجب عزله أو تقليل حضوره داخل الحياة اليومية.
ومن هنا جاءت رسالة “بركم” الأعمق:
أن كرامة كبار السن ليست ترفاً اجتماعياً، بل معيار حضاري يُقاس به وعي المجتمع وإنسانيته.

ومع درجة حوكمة بلغت 90/100، تقدم الجمعية نموذجاً يُثبت أن العمل الإنساني يمكن أن يجمع بين الرحمة والاحترافية في آنٍ واحد.
ما حققته الجمعية لم يبقَ مجرد مشاعر جميلة، بل تُرجم إلى أرقام تحمل دلالات إنسانية عميقة:
* أكثر من 200,000 مستفيد.
* دعم وخدمة ما يزيد على 2,500 أسرة.
* 1,181 متطوعاً ومتطوعة.
* أكثر من 107,947 ساعة تطوعية.
* تنفيذ أكثر من 100 مشروع وبرنامج.
* أثر اجتماعي تجاوز 1,347,999 ريال.

لكن الرقم الحقيقي… هو عدد المرات التي شعر فيها مسنّ أن المجتمع لم ينسه. لأنها لا تُقدّم المساعدة بوصفها “إعانة مؤقتة”، بل تبني استقلالية طويلة الأمد. لا تكتفي بالاحتياج المادي، بل تدمج الرفاه النفسي والروحي والاجتماعي. ولا تعمل بمعزل عن المجتمع، بل تبني شبكة شراكات حكومية وأهلية وخاصة، وتؤمن بأن حماية كبار السن مسؤولية جماعية لا فردية.
كما تتجه نحو الاستدامة عبر الأوقاف والمشروعات الاستثمارية، لتحويل التبرع من استجابة وقتية… إلى أثر مستمر يحمي المستقبل. ومن ضمن برامجها برنامج “مخدوم” وهو ليس مجرد وسيلة نقل مهيأة. بل هو:
* مسنّ يزور الحرم بنفسه دون انتظار أحد.
* أمّ تذهب للمستشفى دون أن تشعر بأنها عبء.
* ضيف رحمن يجد من يكرمه كما كرّم الله ضيوفه.
وهنا يتجاوز الأثر حدود الخدمة، ليصل إلى تغيير الصورة النمطية عن الشيخوخة في المجتمع. فكبار السن ليسوا “أعباء”… بل مواطنون فاعلون يستحقون بيئة تحفظ إنسانيتهم حتى آخر العمر.

تدرك “بركم” أن الأثر الحقيقي ليس ما يُقدَّم اليوم فقط، بل ما يبقى غداً. ولهذا جاء برنامج “سهمك بر” الوقفي ليؤسس مورداً دائماً يخدم الأجيال القادمة، بينما تُحوّل “شراكات الإحسان” ثقافة التبرع من “نفقة” إلى “استثمار اجتماعي” يُنتج أثراً اقتصادياً وإنسانياً مستداماً.

السؤال الذي تطرحه “بركم” على المجتمع.. قال ﷺ: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”. وقد أثبتت “بركم” أن البر ليس فكرة مثالية بعيدة، بل مشروع يمكن تنفيذه، وقياس أثره، وتكراره.

لكن السؤال الذي تتركه الجمعية مفتوحاً أمام المجتمع السعودي كله: كم “بركم” نحتاج في كل حي سعودي؟ ومن سيضع يده في يد “بركم”… حتى نتشرف جميعاً بخدمة كبار السن، وردّ شيءٍ من الجميل لمن أفنوا أعمارهم في بناء الإنسان والوطن؟

 

د. نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop