مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“جنون الأرقام”

في كثير من بيئات العمل لم تعد الأسئلة تبدأ بـ: ما الذي تحتاجه لتنجح؟ أو كيف يمكن أن نطور أداءك؟ بل أصبحت تختصر كلها في سؤال واحد: كم حققت؟
لا يهم ما التحديات التي تواجهها، ولا ما الموارد الناقصة، ولا حجم الضغوط التي تعمل تحتها ، المهم أن يظهر الرقم في نهاية الشهر، وأن يمتلئ التقرير بالمؤشرات، وأن تتحول لوحة المتابعة إلى اللون الأخضر.

شيئًا فشيئًا يتحول الإنسان إلى رقم، وتتحول الإدارة إلى عملية عدّ مستمرة. يصبح الموظف أشبه بآلة إنتاج يُطلب منها العمل بلا توقف، وكأنها لا تتعب ولا تتعطل ولا تحتاج إلى تطوير ، والمفارقة أن الآلات نفسها تحظى أحيانًا بمعاملة أفضل ، فالآلة عندما ترتفع حرارتها يتم إيقافها حتى لا تتلف، وعندما تتعطل تُصان، وعندما تصبح قديمة تُحدَّث وتُطوَّر ، أما الإنسان في بعض المؤسسات فيُطلب منه أن يستمر بالعطاء بالوتيرة ذاتها مهما كانت ظروفه، ثم يُحاسب فقط على النتيجة النهائية.

هذه النظرة تعيد إلى الأذهان بعض تطبيقات الإدارة العلمية التي ركزت على الإنتاجية والقياس، حتى أصبح الإنسان في بعض البيئات مجرد وسيلة لتحقيق الأهداف ، ومع أن الأرقام ضرورة لا غنى عنها في الإدارة، إلا أن الخلل يبدأ عندما تتحول من أداة للقياس إلى غاية تُبتلع لأجلها كل المعاني الإنسانية ، ولعل أخطر ما يفعله هوس الأرقام أنه لا يفسد بيئات العمل فحسب، بل يتسلل إلى علاقاتنا أيضًا ، فكما يوجد مدير يقيس موظفيه بالأرقام فقط، يوجد أب يقيس أبناءه بالدرجات فقط، وصديق يقيس صداقته بالمصالح فقط، وشريك يقيس العلاقة بما يجنيه منها فقط. وحين تصبح النتائج أهم من البشر، نفقد جوهر العلاقة ونبقي على شكلها.

ولهذا كان المنهج النبوي مختلفًا؛ فلم يكن النبي ﷺ ينظر إلى الناس باعتبارهم أرقامًا في سجل أو أدوات لإنجاز مهمة، بل كان يرى الإنسان أولًا ، كان يراعي ظروف أصحابه، ويعرف قدراتهم، ويحتفي بمحاولاتهم قبل نتائجهم. لم يكن معياره الوحيد: ماذا أنجزت؟ بل كان يسأل أيضًا: كيف حالك؟ وما الذي يعينك؟ وما الذي يثقل كاهلك؟
وحين أخطأ بعض الصحابة لم يكن التصحيح النبوي قائمًا على كسر النفوس، بل على بناء الإنسان. وحين تأخر آخرون عن بلوغ المستوى المأمول لم يُلغِ قيمتهم أو يقلل من شأنهم. لقد صنع ﷺ رجالًا حملوا الرسالة إلى العالم لأنه استثمر في الإنسان قبل أن يطالبه بالإنجاز .

إن الأرقام تخبرنا بما تحقق، لكنها لا تخبرنا كم من القلوب أُنهكت للوصول إليه، ولا كم من المواهب ضاعت تحت ضغطها، ولا كم من العلاقات تآكلت بسببها ، في القطاع الخاص، وفي القطاع غير الربحي، وفي الأسرة، وحتى في العلاقات الاجتماعية، نحن بحاجة إلى أن نتذكر أن الإنسان ليس مؤشر أداء، وليس رقمًا في تقرير، وليس خانة في جدول. إنه روح وطاقة ومشاعر وقدرات تحتاج إلى احتواء وتقدير وتنمية ، فالأرقام مهمة، لكنها تأتي في المرتبة الثانية. أما الأولى فهي للإنسان الذي يصنع هذه الأرقام ، وهذه كانت سنة النبي ﷺ في القيادة والعلاقات؛ أن يرى الإنسان قبل الإنجاز، والقلب قبل الحصيلة، والأثر قبل الرقم.

ولهذا تبقى أعظم الإدارات وأبقى العلاقات هي تلك التي تعرف قيمة الأرقام، لكنها لا تسمح لها أبدًا أن تطغى على قيمة الإنسان.

 

د. جواهر الروقي
‏@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop