الأمم لا تُختبر فقط حين تخاف، بل تُختبر حين تطمئن. فالخوف يحشد الطاقات، أما الطمأنينة فتختبر الضمائر.
نعيش في وطنٍ مستقر في عالمٍ تتكاثر فيه الاضطرابات. وهذه نعمة عظيمة. غير أن أخطر ما يهدد النعم ليس فقدانها المفاجئ، بل اعتيادها حتى تفقد قيمتها. حين يصبح الأمن أمرًا طبيعيًا، ويتحوّل الاستقرار إلى حقٍّ مكتسب، يبدأ الامتحان الحقيقي.
إن الدولة التي تعلن مرجعيتها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا ترفع شعارًا سياسيًا فحسب، بل تحمل ميزانًا أخلاقيًا أعلى. قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ليست هذه حصانة أبدية، بل معادلة واضحة: حضور السنّة، واستمرار الاستغفار، وتجسيد المعنى في الواقع.
فإذا بقي الشعار وغاب الاتساق، فهل يبقى الحفظ؟ الخطر الحقيقي على الأوطان لا يبدأ من حدودها، بل من داخلها؛ حين تنفصل القيم عن الممارسة، ويتحوّل الدين إلى هوية لفظية، والوطنية إلى عاطفة بلا التزام، والعدل إلى مطلب لا سلوك. عندها يصبح الاستقرار سطحًا بلا جذور.
الدولة تستطيع أن تحمي الحدود، وتسنّ الأنظمة، وترسم الرؤى. لكن المجتمع هو الذي يحمي الضمير، ويُقيم العدل في التفاصيل اليومية، ويحوّل القيم إلى ثقافة لا إلى خطاب. الأمن لا يُصان بقرار واحد، بل بثقافة مستمرة من النزاهة والانضباط والمسؤولية.
يمثل عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود مرحلة اتزان وعدل وخير في زمن الاستقطاب، غير أن الاتزان لا يُورَّث ولا يُضمن إن لم يتحول إلى وعيٍ جمعي. فالامتحان الحقيقي ليس في وجود الاستقرار، بل في استحقاقه.
هل نمارس العدل كما نطالب به؟ هل نحمل الأمانة كما نرفع شعارها؟ هل نُقيم القيم في بيوتنا وأعمالنا كما نُعلنها في خطابنا؟
الوطن لا يسقط فجأة، بل حين يفقد حساسيته تجاه المعنى، وحين يطالب بالحماية دون أن يشارك في صناعتها، وحين يتحول الحديث عن المرجعية إلى بديل عن الالتزام بها.
الحفظ الإلهي ليس امتيازًا جغرافيًا، بل استحقاقًا أخلاقيًا متجددًا. وإذا أردنا دوام الأمان، فعلينا أن نسير بطريقة تجعلنا أهلًا له، لا مجرد مستفيدين منه.
لسنا فقط أمام سؤال؛ هل نحن آمنون اليوم؟ بل أمام سؤال أعمق؛ وهو هل نحن نسير بما يجعلنا نستحق الأمان غدًا؟ اللهم أدم علينا نعمة الأمن والإيمان، وأعنّا على أن نكون أهلًا لها.
نوف التويجري
@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون