مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حالتنا مع التهريج.. إلى أين؟

في زمنٍ كان فيه المهرّج والراقصة ظاهرةً عابرة على أطراف المشهد، كنّا نعتقد أن الابتذال حالة مؤقتة، تُرى ثم تُنسى. أمّا اليوم، فقد تغيّر كل شيء؛ صار المهرّج في كل جيب، والرقص في كل شاشة، والمحتوى غير الأخلاقي يلاحق الناس حيثما ذهبوا، بلا استئذان ولا خجل. هاتفٌ صغير يكفي ليحمل عالمًا كاملًا من الفوضى، ويجعل العبث أقرب إلينا من أي قيمة.

نحن نعيش زمنًا عجيبًا حقًا؛ زمنًا لم تعد فيه العدوى جسدية فقط، بل فكرية ونفسية. الأفكار المريضة تنتقل بسرعة إشارة الواي فاي، والضجيج يتسلل إلى العقول قبل الآذان، حتى باتت النفوس نفسها تُرهَق، تمرض، وتحتاج إلى عزلٍ لا توفره التكنولوجيا التي أنهكتها. ما كان يُستهجن بالأمس صار عاديًا، وما كان يُخفى صار يُبث على الملأ، وكأن المعايير فقدت بوصلتها.

في هذا الزمن، لم تعد المشكلة في وجود التفاهة، بل في كثافتها وتطبيعها اليومي، حتى غدت جزءًا من الروتين. الخطر الحقيقي أن ينشأ جيل لا يرى في الوقار قيمة، ولا في العمق ميزة؛ جيل يتعلّم أن الصراخ أسرع من الفكرة، وأن السخرية أسهل من البناء، وأن الشهرة يمكن أن تُنال دون مسؤولية.

والمجتمع السعودي، وهو يعيش مرحلة تحوّل وانفتاح غير مسبوقة، يقف اليوم أمام اختبار وعي حقيقي. فالانفتاح لا يعني الذوبان، والتجديد لا يعني التخلي عن الجذور. نحن أبناء ثقافة قامت على الحياء، والاحترام، وتعظيم المعنى، ولن يكون من العدل أن نختزل هذا الإرث في مقطع عابر أو ضحكة مبتذلة.

لسنا مطالبين بإغلاق النوافذ، بل بتنقية الهواء. ولسنا ضد الفرح، ولا دعاة عبوس، لكننا ضد أن يتحول التهريج إلى هوية، وضد أن يُختصر الإنسان في لقطة، أو يُقاس الوعي بنكتة. فالمجتمع السعودي أكبر من أن يُمثَّل بمحتوى فارغ، وأعمق من أن يُختزل في ضحكة بلا معنى.

نحن بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا نريد أن نكون؟ وماذا نريد أن نترك خلفنا؟
فالضحك يمرّ… لكن الأثر يبقى…

 

د. سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop