نعيش هذه الأيام من شهر ذي القعدة في مملكتنا الحبيبة بنعمٍ نحمد الله عليها ونشكره، ومتلهفين ومقبلين على الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو الحج. ففي موسم الحج من كل سنة تتآلف القلوب، وتجتمع أمةٌ مسلمة بحجاجها وأبصارها نحو مكانٍ واحد، قبلة المسلمين مكة المكرمة بشعائرها الدينية. وفي كل عام تستضيف تلك الأرض المقدسة ما يزيد على مليون حاج من حجاج بيت الله الحرام من الخارج، قدموا من أكثر من 150 دولة عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، وهم يشكلون 90٪ من تعداد الحجاج في كل عام.
وفي عام 2026 انطلقت أعمال النسخة الخامسة من معرض بليدكس مكة 2026، المعرض الذي شهد منذ اليوم الأول إقبالًا لافتًا من المستثمرين والشركات العالمية المتخصصة في مجال العقارات؛ لتعزيز وتطوير عجلة الابتكار والتنمية العقارية في مكة.
كما تم إطلاق المرحلة الأولى من مشروع «مسار مكة»، ذلك المسار الذي يهدف إلى ربط بوابة مكة بالمسجد الحرام بطول 3.65 كم، وبعرض 300 متر، متضمنًا فنادق عالمية، ومراكز تسوق، ومسارات للمشاة، ووسائل نقل ذكية لخدمة ضيوف الرحمن.
ومن المشاريع الجديدة لهذا العام رفع الطاقة التشغيلية لعدد من المسالخ الأهلية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لرفع جودة الخدمات المقدمة، وإدارة الحشود بشكلٍ انسيابي.
تقدم المملكة سنويًا للحجاج والمعتمرين، وأخص بالذكر الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم، كل سبل الراحة والرفاهية والسلامة، وتحرص القيادة الرشيدة على تقديم أفضل الخدمات للحجاج من خلال توزيع المهام والمسؤوليات اللازمة على جميع العاملين على مدار اليوم.
فالمشاركون في العمل، وفقًا للهيئة العامة للإحصاء في الموسم الفائت، بلغوا 420 ألف خادم لضيوف الرحمن من القطاعين العام والخاص والقطاعات الأمنية، بنسبة 92٪ للذكور و8٪ للإناث. وبحسب الهيئة، فإن عاملًا واحدًا يخدم أربعة حجاج، ناهيك عن التطبيقات الحكومية التي تقوم على تسهيل إجراءات الحجاج.
هذه الجهود الضخمة المبذولة في وقتٍ قصير وعلى نطاقٍ ضيق، تقف خلفها قيادة رحيمة، رشيدة، قوية، مستشعرة لمسؤولياتها أمام الجميع، ويقف خلفها شعبٌ استمد منها الثقة، مدركًا لحجم المسؤولية. فبحسب الهيئة العامة للإحصاء في موسم الحج الفائت، شارك تقريبًا 34 ألف متطوع ومتطوعة. وهذا العدد من المتطوعين لم يأتِ من فراغ، بل أتى من شبابٍ وبناتٍ سعوديين واعين ومُلمين بحجم وعظمة خدمة ضيوف الرحمن والأجر المكتسب منها، ناهيك عن أن التطوع في الأساس هو اكتساب وتعليم لكل ما هو جديد.
تقدم المملكة سنويًا دروسًا للعالم أجمع في إدارة الحشود البشرية، وإدارة الوقت، والتخطيط، والتنظيم، والتنفيذ، والعمل الجماعي المشترك المتكامل، والعمل التطوعي التعاوني، ضمن بنية تحتية متطورة على مدار العام.
فالمملكة هي القلب النابض للعالم الإسلامي، والرئة التي يتنفس بها الجميع، والمظلة التي يستظل بها كل فردٍ قاصدًا بيت الله العتيق، أول بيتٍ وُضع للناس لعبادة الله وحده. والمملكة أيضًا هي الدولة والسيادة والقوة في وجه كل من يسعى إلى زعزعة أمن الوطن واستقراره من خلال إثارة البلبلة في موسم الحج.
وقد قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة، الآية 126: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
صدق الله العظيم. وقد نزلت الآية في كفار قريش حينما اجتمعوا في دار الندوة للتآمر على النبي ﷺ، وفي هذه الآية تطمين للمسلمين جميعًا أنه مهما مكر أعداء الإسلام ضد الحج، فالله خير الماكرين.
فالمسلمون جميعًا يعلمون أن البيت الحرام في مكة محفوظ وآمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، إذ قال: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125].
صدق الله العظيم، وحفظ الله مملكتنا وقيادتنا الرشيدة، وكل ضيوف بلدنا من حجاج وغيرهم. وحياكم الله.
بدر الصقيري
@WriterBader
عضو جمعية إعلاميون