مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حدود لا تُرى

ليست كل الحدود مرسومة على الخرائط، فهناك حدود تبنى بالوعي، وتحرسها القيم، وتحفظها المسؤولية. وحين يدرك الإنسان قيمة الكلمة، يدرك معها أن بعض المساحات لا تُقاس بحرية الوصول إليها، بل بحكمة التعامل معها.

في عالم تتسابق فيه الآراء قبل الحقائق، وتتجاوز فيه الكلمات أصحابها لتصل إلى الآلاف وربما الملايين، أصبح الوعي الفكري والأخلاقي ضرورة لا خياراً. فالكلمة لم تعد مجرد حروف تُكتب أو عبارات تُقال، بل أصبحت موقفاً يعبّر عن مستوى النضج والثقافة والانتماء.

إن قوة المجتمعات لا تكمن فقط في أنظمتها ومؤسساتها، بل في مقدار الاحترام الذي يمنحه أفرادها لكل ما يمثل هويتها ووحدتها واستقرارها. فهناك رموز ومعانٍ ومكتسبات تشكل وجدان الوطن، والحديث عنها يتطلب وعياً يوازي مكانتها وأثرها في النفوس.

ولعل من أخطر ما تواجهه المجتمعات الحديثة أن تتحول منصات التواصل إلى ساحات اندفاع لحظي، يغيب فيها التفكير وتحضر فيها ردود الأفعال. فبعض الكلمات تُكتب في دقائق، لكنها تترك آثاراً تمتد لسنوات، وبعض العبارات يظن صاحبها أنها مجرد رأي عابر بينما تحمل في مضمونها إساءة أو تجاوزاً أو تقليلاً من شأن ما يجب أن يبقى محل احترام وتقدير.

الإنسان الواعي لا يُقاس بقدرته على الحديث في كل شيء، بل بقدرته على معرفة ما يجب أن يُقال وكيف يُقال ومتى يُقال. فالرقي الحقيقي يظهر عندما تجتمع حرية التعبير مع المسؤولية، ويجتمع الحق في إبداء الرأي مع المحافظة على الاحترام العام والثوابت الجامعة.

إن الأوطان لا تحتاج فقط إلى من يبني مشاريعها ومنجزاتها، بل تحتاج كذلك إلى من يحمي صورتها وقيمها بكلمة مسؤولة وموقف متزن وخطاب يعكس مستوى الوعي الذي وصلت إليه. فالكلمة الراقية ليست ضعفاً، والاحترام ليس تقييداً، بل هما عنوان حضارة ونضج مجتمع.

وفي النهاية، يبقى الفرق بين الكلمة العابرة والكلمة المؤثرة أن الأولى تنتهي بمجرد نشرها، أما الثانية فتبقى شاهداً على صاحبها، تعكس أخلاقه ووعيه وانتماءه، لأن بعض الكلمات لا تُنسى، وبعض المواقف تظل جزءاً من التاريخ الشخصي للإنسان مهما ظن أنها مرت مرور الكرام.

 

ملاك الخالدي
@mm60070
عضو جمعية اعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop