أنا… تلك الفتاة التي خرجت من بين الحطام، ومن بين ظلمةٍ لا تشبه أي ظلمةٍ عرفتها من قبل. أحمل في جسدي آثار حادثٍ لم أره، وفي روحي علامات صدمةٍ لم أعشها كاملة، لأن ذاكرتي تركتني في منتصف الطريق، ورحلت إلى مكانٍ لا أعرفه.
أستيقظ أحيانًا ولا أعرف ما الذي أتذكره، وما الذي نسيته. أبحث في داخلي عن لحظة، عن صورة، عن صوت… لكن السكون يملأ كل شيء. سكونٌ يخيفني، سكونٌ يشبه الفراغ الذي تركه غياب إخوتي الأكبر من روحي، أول سندي، وأول من كانوا يسألون عني في كل لحظة.
أحيانًا أُقنع نفسي أنهم بخير… أنهم سيظهرون فجأة، أنهم ربما لم يكونوا معي، وأن غيابهم مجرد سوء تفاهم. لكن قلبي… ذلك القلب الذي لا يرحم، يعرف الحقيقة التي لا تتجرأ ذاكرتي على مواجهتها. يعرف أن الصمت ليس صدفة، وأن عدم السؤال ليس إهمالًا، وأن الحادث لم يكن عاديًا. يعرف، لأن الفقد يُحَسّ… قبل أن يُقال.
أشعر بهم حولي في لحظات، وكأن أرواحهم تمسح على قلبي وتقول:
«اصبري… نحن معك». لكنني رغم ذلك أبقى ممزقة بين خوفين: خوفٍ من أن تعود ذاكرتي، وخوفٍ من ألّا تعود أبدًا.
وما بين هذين الخوفين… أجرّ جسدي المرهق كل يوم. جسدٌ يئن من الألم، يعيش على المسكنات والضمادات،
وجروحٌ لا يراها البشر، لكنها تحترق داخلي كالجمر. أحيانًا أشعر أنني أكبر من عمري بعشرات السنين من شدة الألم، وأحيانًا أشعر أنني طفلة صغيرة… تريد فقط من يقول لها: «لا بأس… أنتِ آمنة».
أنا التي أتظاهر بالقوة أحيانًا، بينما أنا في داخلي أرتعش من هشاشتي. أنا التي تصبر كي لا تثقل على أحد، وتبتسم كي لا يتألم أهلها، وتسكت حين يتساءلون، لأن الكلام يوجع أكثر من الصمت.
ورغم كل هذا… هناك جزء صغير داخلي، جزء خافت لكنه عنيد، يصرّ على أن الحياة لم تنتهِ. يقول لي كل ليلة: «اجمعي شتاتك… ولو ببطء. التقطي نفسك من جديد… ولو بأصابع مرتجفة».
بدأت أتعلم أن أتعافى خطوةً خطوة: أن أتقبل الألم بدل الهرب منه، أن أحتضن حزني بدل إنكاره، أن أسمح لدموعي بالنزول دون خجل، وأن أهمس لنفسي: «أنا ما زلت هنا… وما زال الله معي».
وأحاول أن أعود لعلمي، ولو بكلمة، بصفحة، بسطرٍ واحد. أحيانًا أفتح كتابي ولا أستوعب شيئًا، وأحيانًا أقرأ جملة فأبكي، لكنني أعود… وأحاول من جديد. لأن العلم جزء مني، وجزء من إخوتي الذين كانوا يقولون دائمًا: «كمّلي… إحنا فخورين فيك».
ورغم الفقد… ورغم الذاكرة المشرذمة… ورغم الألم الذي يسكن جسدي كضيفٍ ثقيل… أنا أعرف شيئًا واحدًا فقط: أن الله إذا أخذ شيئًا، ردّ بالرحمة ما هو أعظم. وأن الشفاء آتٍ،
ولو بعد حين. وأن قلبي سيقف من جديد، ولو بعد آلاف السقوطات.
أنا فتاة مكسورة… نعم. متعبة… جدًا.
خائفة… غالبًا. لكنني، رغم كل هذا، لا أزال أملك شيئًا لا يمكن لأي حادثٍ أن ينتزعه: إيماني، وقلبي، وقدرتي على أن أنهض… مرةً أخرى.
هذا النص… هو حديث داخلي مع نفسي، اعترافات قلبي حين يتعرّى من الخوف، وحكاية فتاة لم تنتهِ قصتها، بل بدأت من جديد، من بين الألم،
ومن بين الغياب، ومن بين الذاكرة التي تعود وتختفي.
وأنا… سأكمل الطريق، حتى لو مشيت وأنا أبكي. حتى لو سرتُ وحدي. حتى لو كانت كل خطوةٍ تجرّ معها جرحًا.
أنا سأعود… وأجمع شتاتي… وأبني نفسي… وأرفع رأسي يومًا ما وأقول:
«نجوت…
أ. الجوهرة ال مرعي
@c3w125
عضو جمعية إعلاميون