كان بيت العيلة يعني شيئاً محدداً: صوت الجدة قبل الفطور، ورائحة القهوة والبخور، وحكاية تُروى في المساء لأطفال لم يعرفوا أنهم يتعلمون. واليوم يجلس الجد أمام شاشة الهاتف، يُحيّي حفيده ويُغلق التطبيق.
لم يكن التباعد قراراً واعياً من أحد لكنه جاء ببطء مع توسّع المدن وتفرّق فرص العمل. ابن الأسرة ذهب إلى مدينة أخرى، وابنتها استقرت مع زوجها في مكان ثالث، وأصبحت زيارة الأهل حدثاً موسمياً يستدعي إجازة وحجوزات. فاالأسرة الممتدة التي كانت شبكة حيّة صارت تقويماً: إجازة الصيف، عيد الأضحى، ربما رمضان إن تيسّر.
النتيجة أن الجد والجدة يعيشان في مدينة بينما يكبر أحفادهما في مدينة أخرى. يعرفون أن الحفيد نطق كلمته الأولى لأن أحداً أرسل مقطعاً، لا لأنهم كانوا هناك فهم يرونه في الصور أكثر مما يرونه في الواقع.
ما يخسره الطفل في هذه المعادلة لا يقتصر على قلة الزيارات فالأجداد ليسوا مجرد أفراد أكبر سناً، بل هم الذاكرة الحية للعائلة. إن الجد الذي يصطحب حفيده في مشوار بلا هدف، والجدة التي تستمع أكثر مما تنصح هذا النوع من الحضور لا يعوّضه اتصال أسبوعي. فالطفل الذي يعيش قريباً من أجداده يملك شيئاً يصعب تسميته: إحساس بأنه جاء من مكان، وأن هناك من عاش قبله وترك شيئاً يستحق أن يُحمل.
حين تضعف هذه العلاقة لا يغيب الأشخاص وحدهم لكن يغيب الامتداد الأسري. والجانب الأقل حضوراً في النقاش هو ما يعيشه الأجداد أنفسهم. كثيرون منهم يتابعون تفاصيل حياة أحفادهم عبر الشاشات، لكنهم غائبون عن معظمها.
ومع الوقت يتسلل شعور صامت بأن المسافة لا تفصل المدن فقط، بل تفصل بين خبرة تراكمت طويلاً وبين من كان يُفترض أن يحملها.
شاشة الجوال تُبقي التواصل قائماً، لكنها لا تُقيم علاقة. والأسرة الممتدة لم تمت، لكنها تحوّلت إلى شيء أخف وأقل دفئاً. وهذا التحول ربما لا مفر منه في مسار التحضر لكن بعض الخسائر لا تظهر فوراً تتكشّف ببطء، حين نكتشف أن أشياء كانت تنتقل بين الأجيال تلقائياً أصبحت اليوم تحتاج إلى جهد مقصود حتى تبقى. “ما يخسره الطفل ليس الزيارات فقط بل الجذور”.
حاتم الغانمي
@MrYaHatem
عضو جمعية إعلاميون