مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حماة صديقي أصبحت مؤلفه!

سألني الدكتور سعود الغربي في إحدى المناسبات سؤالًا عابرًا في ظاهره ثقيلًا في معناه: هل لديك كتاب قريب؟
لم أتأخر في الإجابة لأن المشروع غائب، بل لأن الفكرة حاضرة أكثر مما تسمح به إجابة سريعة.
لدي رواية عملت عليها سبع سنوات كاملة، انتهيت منها قبل أشهر، وما زالت مسودة ورقية لم تُطرق بها أبواب النشر، لا ترددًا في قيمتها، بل فتورًا من المشهد كله.
هي رواية لا تسعى إلى الحكاية بقدر ما تسعى إلى الفهم، تحكي تحوّلًا فكريًا مررت به قبل أكثر من عشرين عامًا، تحوّلًا لم يكن لحظة ولا قرارًا، بل مسارًا طويلًا من الأسئلة والانكسارات وإعادة التعريف، كنت أحد شخوصها لا بصفة بطل ولا راوٍ عليم، بل كإنسان تغيّر وهو يظن أنه ثابت، وهذا النوع من النصوص لا يُكتب على عجل ولا يُنجز بتقنية ولا يُسوّق بسهولة.
لكن النفس منسدّة، ليس من الكتابة بل مما آلت إليه الكتابة.
نعيش زمنًا صارت فيه النصوص أكثر من الأفكار، والعناوين أكثر من المعاني، والمؤلفون أكثر من القرّاء.
الذكاء الاصطناعي لم يفسد الإبداع لكنه كشف هشاشة المشهد الثقافي، وعرّى كسلًا طويلًا كان ينتظر الأداة المناسبة ليظهر.
هذه الفوضى لم تتوقف عند الكتب بل تسللت إلى الإعلام الثقافي نفسه.
المقال الذي كان يومًا مساحة للسؤال والتحليل صار منتجًا سريعًا يُقاس بانتشاره لا بأثره وبشكله لا بعمقه.
كثير مما يُنشر اليوم يحمل لغة جميلة مصقولة لكن بلا موقف وبلا رؤية بلا احتكاك حقيقي بالواقع، النص حاضر لكن الصحفي غائب، والكاتب موجود لكن الإنسان خلفه مستتر.
حماة أحد الأصدقاء لم يُعرف عنها شغف بالقراءة أو متابعة للشأن الثقافي، لم تُشاهد يومًا وهي تمسك كتابًا أو تناقش فكرة، وفجأة ظهرت بوصفها “مؤلفة” لكتاب عن الأسرة والتربية، تحضر المجالس ومعها كرتون من النسخ تفرشها باعتزاز وتوزعها، لأن البيع لم يحدث، وتغضب لأن الناس يرون خمسة عشر ريالًا سعرًا مبالغًا فيه، والمفارقة هنا ليست في السعر بل في الاعتقاد أن التأليف صار لقبًا يُحمل لا مسؤولية فكرية تُحتمل، والمشهد الأكثر طرافة أن صديقي الذي كان مضطرًا لمجاملة زوجته اشترى من حماته خمسة نسخ من كتابها ليست لأنه أراد بل لأن الزوجة ضغطت عليه يشتري من كتب أمها! وهكذا صار الكتاب “محتوىً” للتفاخر والواجب الاجتماعي أكثر منه تجربة أو معرفة حقيقية.
وفي مشهد آخر لا يقل دلالة يسألني أحدهم في قروب عن طريقة تأليف كتاب، دللته على مكان يقدّم خدمات طلاب وبعد أقل من أسبوع أرسل صورة غلاف كتابه عن العلاقات الزوجية وهو غير متزوج ولم يعش مما كتب سطرًا واحدًا. سألته بدهشة صادقة: كيف بهذه السرعة؟ أجاب ببساطة: الله يخلي الذكاء الاصطناعي! ، ثلاثمئة وخمسون ريالًا كانت كافية لصناعة كتاب كامل بلا تجربة بلا وعي بلا مسؤولية.
المشكلة أن هذا المنطق انسحب على الصحافة الثقافية أيضًا، فكثير من النصوص المنشورة اليوم لا تُكتب لتضيف بل لتملأ فراغًا.
لا تُنتج سؤالًا بل تكرر إجابة جاهزة، لا تصنع وعيًا بل تواكب موجة، حتى المقال الثقافي الذي يفترض أن يكون مساحة للتأمل والنقد صار أحيانًا مجرد استعراض لغوي أنيق يخلو من الروح.
وأي كاتب حقيقي وأي صحفي متمكن يعرف هذا الفرق من أول فقرة، يعرفه من النفس من الصدق من تلك اللمسة الإنسانية التي لا تُصنّع ولا تُستنسخ، يعرف متى يكون النص نتيجة تفكير ومتى يكون نتيجة أداة.
بهذه الطريقة لا تتشابه النصوص فقط بل تتشابه العقول. الناس لا تقرأ لتفهم ولا تكتب لتفكر بل لتواكب. نضغط زرًا فيخرج نص لكن لا يخرج وعي ، ولا يتكوّن رأي ولا يتشكل موقف ،وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام الثقافي: أن يفقد دوره بوصفه ضميرًا نقديًا لا مجرد واجهة لغوية.
وحين أستعيد سؤال الدكتور أدرك أن المسألة ليست في تأخر كتاب ولا في كساد رواية بل في زمن فقد صبره على الفكرة، وفقد احترامه للتجربة وصار يساوي بين من يكتب لأنه عاش ومن يكتب لأنه يستطيع.
وفي زمن كهذا قد يكون التأخر فضيلة وقد يكون الصمت موقفًا وقد تكون الكتابة الحقيقية آخر أشكال المقاومة.

 

أ. سعيد رجاء الأحمري
‏@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop