في دهاليز العلاقات البشرية المعقدة، تبرز ظاهرة اجتماعية تترك جرحاً غائراً لا تبرؤه الأيام، هي “نكران الجميل”..
ذلك السلوك الذي يتجاوز مجرد “نسيان المعروف” ليكون فعلاً هدمياً متعمداً، يمارسه البعض حين تنتهي صلاحية المصالح التي جمعتهم بالآخرين.
بينما ينبع العطاء من سيكولوجية سوية، تأسست على مبادئ التربية القويمة والشهامة الفطرية، نجد أن “الجاحد” لا يولد هكذا.. إن الجحود صفة “مكتسبة” و”مؤدلجة”؛ حيث تتم برمجة العقل تحت ضغوط معينة أو طموحات مادية جارفة لإقناع النفس بأن الفضل ليس لصاحب الفضل، بل هو “حق مكتسب” أو “ضربة حظ”.
“نحن لا نقدم الجميل لننتظر مقابلاً، ولكننا ننتظره كي لا نفقد إيماننا بنبل البشر”. فعندما تحكم المادة وتسقط الأخلاق؛ في المجتمعات التي تغلبت فيها لغة الأرقام على لغة المشاعر، أصبحت العلاقات تُقاس بـ “الجدوى الاقتصادية”.
لذا، فإن نكران الجميل ينمو في التربة التي تكون فيها المصلحة المادية هي المحرك الأول؛ فبمجرد أن تجف منابع النفع، تذبل أوراق الوفاء، ويتحول الصديق إلى غريب، بل وأحياناً إلى خصم يبرر لنفسه الجحود كي لا يشعر بـ “دونية” المديونية الأخلاقية.
عبارات من صميم الوجع (فاصل مؤثر):
• الوفاءُ عهدُ الأنقياء، والجحودُ حيلةُ الضعفاء الذين استكبروا على فضل الكرام.
• أصعبُ أنواعِ الطعنات، هي تلك التي تأتي من يدٍ قضيتَ عمرك تشدُّ عليها.
• لا تندم على معروفٍ بذلتَه، فالأواني تنضحُ بما فيها، وأنت نضحتَ كَرَماً وهم نضحوا لؤماً.
• الفراغ القانوني والعدالة الإلهية
من المفارقات المؤلمة أنه لا يوجد نص قانوني يُجرّم نكران الجميل، أو يحفظ الحقوق “الأدبية” والمعنوية لمن قدم خدماته من باب المروءة..
القانون يحاسب على اختلاس الأموال، لكنه لا يحاسب على “اختلاس المشاعر” أو “تحطيم الثقة”..
وهنا مكمن الخطر؛ فغياب الرادع القانوني جعل من الجحود “ذكاءً اجتماعياً” في نظر البعض، وتملصاً من رد الوفاء بحجة “الواقعية”.
إن نكران الجميل لا يقلل من قيمة “المُحسن”، بل هو كاشفٌ لمعادن “الناكرين”. إن ضياع الجميل عند الناس لا يعني ضياعه عند رب الناس. ويبقى الوفاء هو العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها، مهما ارتفعت بورصة المصالح.
تذكر دائماً؛ بإن “الجميلُ لا يُنسى، إلا في ذاكرةِ أولئك الذين صغرت نفوسهم عن استيعاب نبل الآخرين”.
محمد البهيدل
@alkhayberi_2222
عضو جمعية اعلاميون