ليس كلّ جديدٍ يُنبتُ الربيع ،كما أنّ الشيخوخة لا تُقاسُ بعدد السنين بل بعدد المرات التي رفض فيها الإنسان أن يتغيّر.
هذه الحقيقة التي اختصرها الدكتور غازي القصيبي بجملة واحدة: “محاولة تطبيق أفكار جديدة بواسطة رجال يعتنقون أفكارًا قديمة هي مضيعة للجهد والوقت”.
هي ليست مجرّد حكمة إدارية أو درس في التغيير المؤسسي ،بل هي بيانٌ فلسفيّ في طبيعة الإنسان قبل أن تكون في طبيعة الفكرة.
فالقصيبي الذي خبر البيروقراطية كما خبر الشعر كان يدرك أنّ الأزمة ليست في غياب المشاريع بل في غياب الإنسان القادر على حملها.
كثيرون يظنون أن التغيير يبدأ من قرارٍ أو شعارٍ أو خطة عمل، بينما التغيير الحقيقي لا يولد من “الخارج إلى الداخل” بل من “الداخل إلى الخارج”.
الفكرة ليست سوى بذرة لكنها لن تنبت في أرضٍ لم تُحرث ولم تُروَ ولم تُطهّر من أعشابها القديمة.
الإنسان القديم — ذلك الذي يسكنه الخوف من الجديد والحنين إلى ما تعوّد عليه والارتباك أمام المجهول — لا يستطيع أن يكون حاملًا لرسالة التجديد حتى لو تزيّن بألف شعار إصلاحي.
إنه كمن يحاول بناء مدينة حديثة بأدواتٍ حجرية ،كل ما سينتجه هو أنقاضٌ جديدة بلونٍ مختلف.
إنه ذات الإنسان الذي يتحدث عن “الإبداع” لكنه يقيسه بمسطرة الأمس ويتغنى بـ”التطوير” وهو يرتعد من أي خطوةٍ تزعزع استقراره الفكري ،يرفض أن يُغيّر طريقة تفكيره لكنه يطالب العالم بأن يتغير حوله.
القصيبي لم يكن يدعو إلى ثورةٍ في الأفكار بل إلى ثورةٍ في الإنسان ،إلى شجاعةٍ فكرية تجعله يعترف أن أدوات فهمه للحياة قد صارت صدئة ،وأن عليه أن يخلع عنها غبار الماضي كما يخلع جلده القديم.
فالفكرة الجديدة حين تسكن عقلًا متحجّرًا تفقد نقاءها وتُشوَّه، كما يُشوَّه النور حين يمرّ عبر زجاجٍ مكسور.
الفكرة وحدها لا تصنع التغيير بل الوعي الذي يحتضنها ،فكم من فكرةٍ عظيمة وُلدت في زمنٍ خاطئ بين أيدي من لا يفهمونها فاختنقت قبل أن تتنفس! وكم من مشروعٍ حديث تحوّل إلى نسخة بيروقراطية باهتة لأن الذين تولّوه ظنّوا أن “الحداثة” هي مجرد لافتة على الجدار لا روح في الإنسان.
إنّ أخطر ما يواجه أي أمةٍ ليس جمود مؤسساتها بل جمود عقولها ،لأن الفكرة الحديثة تحتاج إلى إنسانٍ متجدّد قادر على أن يرى بعينٍ جديدة ويسمع بأذنٍ جديدة ويفكر بلا وصاية من ذاكرةٍ مثقلة بالعادات.
فكما لا يمكن زرع النخيل في صقيع لا يمكن زرع الأفكار الجديدة في عقولٍ متكلّسة.
القصيبي في عبارته الموجزة لم يكن يوبّخ الجيل القديم بل كان يذكّرنا بأن التجديد لا يكون بتبديل المقاعد بل بتبديل الوعي. فالمؤسسات لا تشيخ حين يشيخ موظفوها، بل حين تتقاعد أفكارهم ،حين يُفضّلون الأمان على المجازفة والروتين على المغامرة والامتثال على الاكتشاف.
إنها دعوة لأن نتجاوز مرحلة “تقليد التجديد” إلى مرحلة “تجديد الإنسان” لأن كل مشروعٍ مهما كان طموحًا سيتقزّم إلى حجم العقل الذي يتولاه.
فمن أراد أن يبني غدًا مختلفًا فليبدأ أولًا بهدم جدران الأمس في داخله.
التجديد لا يبدأ من الفكرك ،بل من الجرأة على أن نكون بشرًا آخرين.
أ. سعيد الاحمري
@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون