مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حين أعادني.. وجهٌ قديم إلى الحياة

في بعضِ محطاتِ العمر، لا نلتقي بالأشخاص؛ بل نلتقي بأنفسنا التي أضعناها طويلًا.

كان المساءُ مزدحمًا بالوجوه، والطرقاتُ تمضي بعجلةٍ لا تنتظر أحدًا، بينما كنتُ أعبرُ الحياة كمن يحملُ قلبه بصمتٍ ثقيل، أبحثُ عن شيءٍ لا أعرف اسمه، حتى رأيتُه هناك…
يجلسُ وحيدًا عند طرفِ المكان، بعينين أنهكهما الانتظار، وكأنهما ما زالتا تؤمنان أن الوجوه التي نحبها لا تضيع مهما طال الغياب. اقتربتُ ببطء؛ وشعرتُ أن الزمن كله يتراجع خطوةً إلى الخلف.

كان وجهه كما تركتهُ تمامًا، دافئًا رغم التجاعيد، نقيًا رغم تعب السنوات، يشبه صباحًا قديمًا كانت أمي توقظني عليه بحنان، ويشبه الدعوات التي كانت تحرسني دون أن أشعر.

مددتُ يدي ألامس كفّه، فارتجف قلبي كطفلٍ عاد أخيرًا إلى بيته. كم نحن قساة حين تسرقنا الحياة من الذين أحبونا دون شروط؛ وكم يبدو العالم باردًا حين نؤجل اللقاءات ظنًا أن الوقت لا ينفد.

لم يكن الغياب قرارًا؛ بل كانت الأيام تمضي أسرع من قدرتنا على الالتفات.
ولم يكن اللقاء مرتبًا له، لكنه جاء كرحمةٍ مؤجلة، كأن الله جمع روحين أنهكهما الحنين في ذات المحطة، ليخبرهما أن بعض العلاقات لا تموت مهما ابتعدت الطرق.

رفع رأسه نحوي، وفي عينيه تلك الدهشة الجميلة التي تشبه النجاة، ثم ابتسم؛ ابتسامة صغيرة، لكنها أعادت الضوء إلى أماكنٍ معتمة داخلي منذ سنوات.

في تلك اللحظة أدركتُ أن بعض البشر لا يشبهون العابرين أبدًا؛ بل يشبهون الوطن حين يتعب القلب، ويشبهون الصباح حين يأتي بعد عتمةٍ طويلة، ويشبهون الحياة.. حين تمنحنا فرصةً أخرى لنشعر أننا ما زلنا أحياء..

 

فاطمة الجباري
‏@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop