استيقظتُ ذات صباح على صوت الأخبار. كانت الشاشات تمتلئ بالدخان والنيران والبيوت تحترق. أغلقت الهاتف بعد دقائق، لكن المشهد لم يُغلق أبوابه في داخلي.
وفي الليل، رأيت السماء متصدّعة، والنار تخرج من بين السحب. عندها أدركت أن الحروب لا تسكن الخرائط وحدها، بل تسكن الأحلام أيضًا.
لقد سئمنا تكرار ما نسمع من أخبار، وما نراه من مشاهد مؤلمة تهزّ كل ما في الحياة من سعادة وطمأنينة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نصمّ آذاننا ونغمض أعيننا ونغضّ الطرف عن كل ذلك؟ أم أننا في النهاية لا نرى، لا نسمع، لا نتكلم؟ ومن سيسمعنا إن تكلمنا؟ وماذا سنقول أصلًا وسط هذا الضجيج الإنساني؟ ربما نحن لا نبحث عن من يسمعنا بقدر ما نبحث عن معنى يجعل هذا الصمت أقل قسوة.
لم تعد الأخبار تمرّ كما كانت في السابق. اليوم تصلنا اللحظة بلحظتها، مصحوبة بالصوت والصورة والتفاصيل. هذا القرب المفرط من الحدث جعلنا نعيش الألم كأنه يحدث أمامنا، لا خلف الشاشات. فأصبحنا نتلقى العالم بقلق دائم، وكأن الاستثناء لم يعد استثناءً.
قد نكون بمنأى عن الحروب التي يعاني منها غيرنا، لكننا نعيش شيئًا من فزعها عبر الشاشات. تتسلل إلينا صور الدمار وأصوات الانفجارات، فتنعكس على أحلامنا وتتحول إلى كوابيس تؤرق نومنا.
ومع هذا التدفق المستمر من الصور والمقاطع، لم يعد العقل قادرًا على الفصل بين ما نراه وما نعيشه. فصارت مشاهد الحروب تلاحقنا حتى في لحظات الصمت، وتعيد تشكيل وعينا بطريقة لا ننتبه لها.
شيئًا فشيئًا، ومع تكرار المشهد وامتداده، يبدأ الفزع الأول في التراجع، ليس لأن الألم يقل، بل لأن النفس تُرهق من كثرة ما ترى. لم تعد الحروب حبيسة الحدود والجغرافيا؛ فقد عبرت إلى بيوتنا وهواتفنا وذاكرتنا. حتى الأقلام فزعت، فكتبت بمداد الحزن ودماء الشهداء والأبرياء.
كفاكم قتلًا.. فالأرض لم تُخلق لترتوي بالدماء، بل بماء المطر. والدم لا يُنبت الورد، بل يترك في القلوب ندوبًا لا يراها أحد.
هيا الدوسري
@HAldossri30
عضو جمعية إعلاميون