كم مرة نسينا أنفسنا في زحمة أعين الآخرين؟ كم مرة صرنا نبحث عن رضا الناس، نخفِي عيوبنا، ونبالغ في إظهار الفضائل، معتقدين أن قيمتنا الحقيقية تقاس بما يراه الناس؟ رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه “أن تكون كبيرًا في عين نفسك و أن غابت عيون الناس” ليست مجرد نصيحة تاريخية، بل هي دعوة عميقة للوعي الذاتي، والاعتداد بالنفس، والعيش بصدق قبل أي تقييم خارجي.
عندما نكبر في أعيننا، نكتشف أن احترام الذات والصدق مع النفس أعظم من أي تصفيق خارجي ، نصبح قادرين على مواجهة الحياة بثقة، نتحمل زلاتنا ونعترف بعيوبنا دون خوف من حكم الآخرين، ونعمل الخير دون انتظار شكرٍ أو تقدير ، نحن ندرك أن هناك أعينًا لا تنام، ترى قلوبنا، تقدر نوايانا، وتعترف بالخير في أبسط أعمالنا، وتغفر الزلات في أقسى اللحظات ، تلك هي أعين الله، التي تستحق أن تكون مقياس حياتنا قبل أي عين بشرية.
العيش من أجل أعين الناس يُشبه السير على حبل رفيع، دائم القلق بين توقعاتهم ومخاوفنا ، أما من يعي قيمة نفسه، ويعمل بما يرضي الله، فهو يعيش حياة أعمق، حرة، مستقرة، لا تتزعزع عند غياب الثناء أو ظهور النقد ، الكبار في أعين أنفسهم لا يحتاجون التظاهر ، ولا يخافون من كشف ضعفهم، لأن قوتهم تنبع من صدق النية وصفاء القلب.
كما قال الشاعر:
“فليس المرءُ بما يرى الناسُ عينهُ،
ولكن بما يرى اللهُ قلبهُ.”
فلنجعل أعيننا مرآة صافية، نرى فيها أنفسنا بصدق، ونعترف بقيمتنا قبل أن نطلب تقدير الآخرين ، حين نكبر في أعيننا، نصبح قادرين على العطاء بلا حساب، والعيش بطمأنينة بلا توتر، والعمل بخطى ثابتة نحو الخير دون خوف من الغياب أو التجاهل.
د.جواهر الروقي
@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون