في كل موسم من مواسم الفرح تعود ذات الأصوات القديمة التي تحاول أن تُقنعنا أن الضحك يناقض الإيمان، وأن حضور فعاليةٍ فنية يُنقص من الدين أو الحياء أو الانتماء.
كأن الفرح ترفٌ محظور وكأن السعادة تهمة تحتاج إلى تبرير، لكن الحقيقة الأعمق — التي يعرفها كل من تأمل في طبيعة هذه البلاد — أن المملكة لم تُبنَ لتسجن الإنسان داخل شكلٍ واحد من الحياةبل لتُعلي من شأن العقل والاختيار والإرادة.
منذ فجرها الأول وهذه الأرض المباركة تعرف أن التوازن هو سرّ بقائها،فمن مكة مهبط الوحي إلى الرياض مدينة الضوء والرؤية امتدت الجغرافيا الروحية والإنسانية التي تجمع بين سجادة صلاة وصخب مهرجان، كلاهما وجهان لحياةٍ سويةٍ تعي أن الإيمان لا يُلغى بالفرح كما أن الفرح لا يُبطل الخشوع.
موسم الرياض ليس مجرد حفلات ومظاهر بل هو تجسيد رمزي لفكرةٍ عميقة: أن الوطن لا يُختزل في صوتٍ واحد ولا في ذوقٍ واحد،هو احتفال بتعددنا الإنساني وبأن فينا من يأنس بالعزلة والسكينة وفي المقابل من يفرح بالموسيقى والضوء والناس.
ومن الخطأ أن نحاكم هذا بذاك، لأن الاختلاف في طرق التعبير عن الحياة لا يعني اختلافًا في الولاء أو الإيمان.
إنّ المملكة اليوم لا تختبر أخلاق الناس، بل تختبر نضجهم، نضج أن يعيش المرء حريته دون أن يطعن في حرية الآخرين، وأن يختار طريقه دون أن ينكر على سواه طريقه المختلف.
وهذا الوعي الجمعي هو ما أرادته رؤية الوطن حين جعلت الثقافة والفن والرياضة والعبادة تسير جنبًا إلى جنب، لا تتناحر بل تتساند كخيوط علمٍ واحد يرفرف فوق الجميع.
فالمساجد مفتوحة لمن أراد القرب من الله والفعاليات قائمة لمن أراد القرب من الحياة والبيوت دافئة لمن اختار سكينة العزلة والبلد للجميع.
هذه هي المعادلة التي لا يفهمها من يعيش في الماضي ولا يتقبل أن العالم تغيّر، وأن الشعوب التي لا تفرح تموت اختناقًا بصمتها.
الوطن لا يطلب من أبنائه أن يكونوا نسخة واحدة بل أن يكونوا أوفياء وهم مختلفون، صادقين وهم متنوعون.
فحرية الاختيار ليست ترفًا غربيًا، بل مبدأ قرآني عميق: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. هي حرية مسؤولة لا تنفي القيم، بل تحميها من التكلّف والرياء.
نحن في وطنٍ علّم العالم أن الدين لا يُخاف منه وأن الترفيه ليس خصمًا من التقوى وأن من يصلي الفجر في المسجد يمكن أن يحضر حفلة في المساء دون أن يتناقض مع نفسه، لأن المعيار ليس المكان بل القلب.
فيا من تظنون أن الفرح يفسد الهوية، تذكّروا أن هذه الأرض حملت أطهر رسالة سماوية، ومع ذلك لم تُلغِ إنسانية الإنسان،وها هي اليوم تحمل للعالم رسالة جديدة:
أن الإسلام يمكن أن يبتسم وأن السعودية يمكن أن تفرح دون أن تفقد وقارها أو رسالتها.
هذه هي السعودية الحديثة التي أرادها قادتها: بلدٌ متوازنٌ بين منبرٍ ومسرح، بين صلاةٍ وابتسامة، بين روحٍ تعبُد وقلبٍ يفرح.
وفي ذلك يتجلى أعمق معاني الوطنية: أن تحيا حرًّا مؤمنًا مطمئنًّا تحت ظل وطنٍ يثق بك وباختيارك.
أ. سعيد الاحمري
@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون