كثيرًا ما نسمع عبارة، الزواج هو مقبرة الحب، فهل الزواج؛ هو حقاً مقبرة للحب؟ أم أن الحب المزيّف هو من يُدفن عند أول احتكاك بالواقع؟
أؤمن أن المشكلة ليست في الزواج، بل في الأقنعة التي يرتديها البعض قبل الدخول إليه. حين نحب صورة غير حقيقية للطرف الآخر، سنُصدم لاحقًا بالحقيقة… وتذبل العاطفة لأنها لم تكن حبًا، بل إعجابًا بتمثيل مؤقت.
فهذه المقولة؛ ترسّخت في أذهان البعض كحقيقة لا تقبل الجدل. لكن لعلها لا تكون إلا انعكاسًا لتجارب بدأت على وهم وانتهت على صدمة. فالخطر لا يكمن في الزواج ذاته، بل في أن يُظهر كل طرف للآخر صورة ليست حقيقته. صورة مزينة، مزيفة، سرعان ما تنكشف مع الزمن وتُسقط القناع. وحينها، تظهر ملامح لم تكن مألوفة، وتنكشف أرواح لم تُحب كما هي، بل كُتب لها الإعجاب المؤقت بشخصية غير حقيقية.
الحب الحقيقي لا يموت، لا يُفسده خلاف، ولا تُضعفه عيوب. بل يظل ثابتًا في الأعماق، حتى وإن تباعدت الأجساد أو اختلفت الطرق. فالعلاقة التي قامت على صدق الروح، لا تُنهيها المسافات ولا تهزها العقبات.
وحدها الأرواح إذا اختلفت، وإن اجتمعت ظاهريًا تحت سقف واحد، فإنها لا تلتقي. لأن الزواج ليس رابطًا جسديًا فقط، بل هو اتفاق عقول، وارتباط أرواح. من يهربون من الزواج خشية أن يقتل الحب، لا يخافون من الزواج ذاته، بل من هشاشة ذلك الحب.
أما إذا كان الحب عميقًا، نقيًا، صادقًا، فلن يفسده قرب، ولن يضعفه بعد، وسيظل قائمًا في كل الظروف، لأنه نابع من مكان أعمق من الشكل، أصدق من الادّعاء، وأقوى من الظروف
أنا أرى أن الزواج ليس مقبرة للحب، بل هو الاختبار الحقيقي له. الحب قبل الزواج يكون غالبًا في ظروف أجمل، فيها مساحة للغياب، للاشتياق، للتمثيل أحيانًا، وربما حتى للمثالية. أما الزواج، فهو مساحة القرب اليومي، الاصطدام بالعيوب، تفاصيل الحياة، الضغوط، الواقع. وهنا يظهر معدن الحب؛ هل هو مجرد انبهار؟ أم هو جذر ممتد في الروح؟
لهذا، كثير من العلاقات تنهار بعد الزواج لأن ما كان يُسمى “حبًا” لم يكن إلا إعجابًا مؤقتًا، أو مجرد احتياج، أو حتى محاولة للهروب من الوحدة.
قد يفتر أحياناً ،لكن الحب الناضج، الحقيقي، الذي يرى العيوب ولا يهرب منها، بل يحتضنها ويكمل الرحلة رغم وجودها، هذا هو الحب الذي يتقوّى بالزواج، لا يموت فيه.
فالزواج لا يقتل الحب، هو فقط يفضحه؛ إن كان حقيقيًا، سيبقى. وإن كان وهماً، سينهار.
أ. هيا الدوسري
@HAldossri30
عضو جمعية إعلاميون