في زمنٍ تتسابق فيه الحسابات الرقمية على لفت الانتباه، لم يعد للصوت الصادق مكان، ولا للرأي الرصين قبول.
نعيش اليوم في بيئة إعلامية رقمية تُكافئ الضجيج، وتمنح المساحة لمن يُثير لا لمن يُناقش ويفكّر بمنطق واعتدال.
ورغم وفرة المنصات، لم تُنتج وفرة في المعنى، بل العكس تماماً. فكثير من النقاشات العامة تحوّلت إلى ساحات استعراض ومعارك، حيث يُقاس الرأي والمحتوى المبتذل بعدد الإعجابات، لا بقيمته الفكرية أو أثره الحقيقي.
المشكلة لا تكمن في الاختلاف، فالاختلاف طبيعي وضروري، بل في سطحية الحوار، وتسليع الرأي.
وحين يُختزل النقاش في عناوين مستفزة، وأحكام مطلقة، نفقد فرصة الحوار الحقيقي، ونخسر القدرة على الفهم والتقبّل.
الأدهى من ذلك، أن هذا النوع من المحتوى يُعيد تشكيل وعي الجمهور، خاصة الأجيال الأصغر، ليُقنعهم بأن التفكير العميق مُمل، وأن الصوت الهادئ لا يُسمع. وهنا يتحوّل الإعلام من أداة وعي، إلى أداة استهلاك.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الأصوات، بل إلى مزيد من الوعي والمسؤولية في استخدام الصوت.
نحتاج إلى محتوى يحترم عقل المتلقي، وإلى رأيٍ يُسمع دون أن يخشى الاختلاف لا أن يكون فارغاً.
في النهاية، الرأي مسؤولية، لا موقفاً عابراً.
ومن يكتب أو يشارك أو يتحدث أمام الجمهور، عليه أن يُدرك أن كل كلمة تُسهم – بشكلٍ أو بآخر- في تشكيل الوعي الجمعي.
د. مها الشريف
@imahaalshreef
عضو جمعية إعلاميون