ليست كل العلاقات كما تبدو؛ فبعضها يبتسم في العلن، بينما يخفي في داخله ميزانًا دقيقًا لا يختلّ: ماذا أعطيت؟ وماذا سأحصل؟ في زمنٍ باتت فيه المصلحة لغةً مألوفة، لم تعد حدودها تقف عند أبواب العمل، بل امتدت بهدوء إلى أكثر المساحات نقاءً… إلى العائلة. هناك، حيث يُفترض أن تكون المشاعر صافيةً كالماء، تبدأ الأسئلة المقلقة في التشكّل: هل ما زالت القلوب تلتقي بلا حساب؟ أم أن دفء القربى بدأ يخضع لقوانين الربح والخسارة؟
في بيئة العمل، تبدو المصلحة عنصرًا مشروعًا، بل وضروريًا أحيانًا. فهي التي تنظّم العلاقات المهنية، وتُسهم في تحقيق الأهداف، وتخلق نوعًا من التوازن بين الأخذ والعطاء. ما دامت محكومةً بالشفافية والأخلاق، فإنها لا تُفسد العلاقة، بل قد تدعمها وتمنحها وضوحًا واستقرارًا.
لكن حين تنتقل هذه العقلية إلى العلاقات العائلية، يتغيّر المشهد تمامًا. فالعائلة ليست مساحةً للتفاوض، ولا ساحةً لعقد الصفقات غير المعلنة. إنها الملجأ الذي يُفترض أن يُمنح فيه الحب دون مقابل، وأن يُقدَّم فيه الدعم دون انتظار ردّ. وحين تُقاس هذه العلاقات بميزان المصلحة، تفقد شيئًا فشيئًا روحها الحقيقية، وتتحول إلى روابط هشة، مشروطة، قابلة للانكسار عند أول اختبار.
قد يختلط الأمر أحيانًا بين الحاجة والمصلحة؛ فطلب الدعم من الأسرة ليس عيبًا، بل هو من صميم التراحم والتكافل. لكن الفارق يكمن في النية والاتجاه: هل نحن نقترب لأننا نحب، أم لأننا نحتاج فقط؟ وهل نبقى حين ينتهي الأخذ، أم ننسحب بهدوء؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المصلحة بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيارٍ وحيد تُقاس به العلاقات. عندها، تتآكل الثقة، وتبهت المشاعر، ويحلّ الحساب محلّ الصدق. فالعلاقات التي تُبنى على الأخذ فقط، سرعان ما تنهار حين يتوقف العطاء.
في النهاية، تبقى المصلحة أداة يمكن توظيفها حيث ينبغي، لا قاعدة يُبنى عليها كل شيء. وبين العمل والعائلة، يبقى الفرق واضحًا لمن أراد أن يُبقي على إنسانية علاقاته نقية: هناك نُدير مصالحنا، وهنا نمنح قلوبنا… بلا شروط.
وفاء الشهري
@Wafa_aljanoob
عضو جمعية إعلاميون