في صباح يوم مشمس، أوقفت سيارتها عند الساعة السادسة واثنتي عشرة دقيقة أمام مواقف المدرسة. نزلت وهي تفتح تطبيق الحضور، وتوقفت عند نقطة البلوتوث، فصدح الصوت الذي سمعه معلم مدرسة البنين القادم خلفها: “أهلًا بك في بيتك الثاني، نتمنى لك يومًا سعيدًا”. ابتسمت وأكملت طريقها نحو المدرسة، وفي يدها علبة من شوكولاتة باتشي.
ما إن دخلت حتى وجدت المدرسة تضج بأصوات المعلمات. كانت كل واحدة تروي قصة أو تقدم نصيحة؛ فهذه تتحدث عن كيفية تربية زوجها حتى أصبح يخشاها، لأنها لا تستأذنه وصوتها أعلى من صوته. وتلك تحكي عن اختلاف طباع زوجها عنها، وأنها لا تحب السفر معه مهما ألحّ عليها. وثالثة تتساءل بقلق: لماذا يضع زوجها قفلًا على هاتفه؟
وفي زاوية أخرى كانت النصائح تتدفق بلا توقف. قيل لإحداهن: “لقد كبر أولادك، وليس لديك عاملة، والإجازة على الأبواب. اذهبي مع أهلك حيث يذهبون، وخذي أبناءك معك، واتركي زوجك. لا تستشيريه، فقط جهزي حقائبك ونفذي، وسيوافق لاحقًا”.
أما الحديث عن الواجبات الزوجية فكان له نصيب وافر؛ فلا داعي للطبخ في الإجازة، فالمطاعم موجودة، ويمكن طلب الرز والجريش متى شاءت الأسرة. وإن أصرت الزوجة على أن تكون “صالحة”، فلتطبخ مرتين في الأسبوع وتخزن الطعام في الثلاجة!
وبالقرب من ركن القهوة قالت إحداهن بفخر: “أنا لا أسمح له أن يجعل زيارة أهله واجبًا أسبوعيًا. منذ سنوات وأنا أزورهم مرة كل ثلاثة أشهر فقط”. هزّت الأخريات رؤوسهن موافقات، مع اختلاف بسيط في عدد الأسابيع أو الأشهر.
وخلال ذلك كله، كانت ثلاث ملاعق من البن تمتزج بالماء، لتبدأ لحظة الاستكنان. انتشرت رائحة القهوة المفلترة في المكان، وارتشفت المعلمات قهوتهن بهدوء في أكواب زجاجية أنيقة، بينما حلت شوكولاتة باتشي ضيفًا على أحاديثهن.
وفجأة ظهر كائن غريب يسير على أطراف الغرفة. تبدلت الملامح في لحظة، وارتفعت الأصوات، وقفزت الأقدام فوق الكنبات. إحداهن تصرخ: “يا ماما… دودة”! وأخرى تهتف: “حيوان مخيف”! وثالثة تشير إليه مذعورة: “وحش له قرون”!
أما البقية فانسحبن إلى الخارج خوفًا من هذا المفترس القاتل الذي قد يفتح فمه ويلتهمهن جميعًا.
وعند الباب صاح الحارس: “هل أنتن بخير؟ هل هناك حريق”؟ أما النملة، فكانت تواصل سيرها بهدوء، تنظر إليهن متعجبة من كل هذا الهلع. وفي النهاية، أحضروا عبوة المبيد الحشري، ورشوا الغرفة.. فقط لأن نملة مرت من هناك.
د. مروج العشري
@montsori17
عضو جمعية إعلاميون