مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حين يتكلم الألم وتطمئن العقيدة

قال الله تعالى في سورة القرآن الكريم: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ۖ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ – سورة القصص.

ليست كل الكلمات في القرآن سواء، وليست كل المفردات تؤدي المعنى ذاته وإن تقاربت في الظاهر. في هذه الآية يختار النص لفظين مختلفين: الفؤاد والقلب. وليس ذلك عبثًا… بل هو إعجاز قرآنيّ يمسّ شغاف التجربة الإنسانية. الفؤاد في اللغة من التفؤّد، وهو شدة الحرارة والالتهاب؛ كأنّه موضع الاشتعال الداخلي. هو مركز العاطفة حين تثور، وموضع الألم حين يشتعل، ومهبّ الجزع حين يفجأ المصاب.
أما القلب فهو موضع الثبات والإدراك واليقين؛ محلّ الإيمان والتسليم، ومركز القرار. لذلك قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ لم يقل: قلبها؛ لأن الذي فرغ هو موضع الاحتراق العاطفي، ذاك الموضع الذي اشتعل خوفًا على رضيع أُلقي في اليمّ، في زمن كان فيه القتل سياسة، والرعب قانونًا. فرغ فؤادها من كل شيء إلا موسى. فرغ من الصبر، من الاتزان، من القدرة على التفكير. صار خواءً يتردد فيه اسم طفلها مع كل خفقة.
ثم يأتي التدخل الإلهي: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾؛ هنا لم يقل: ربطنا على فؤادها؛ لأن الربط يكون على موضع القرار والثبات، لا على موضع الاشتعال. الفؤاد يحترق… لكن القلب يُربَط. الفؤاد يصرخ… لكن القلب يختار الصمت إيمانًا. الفؤاد يندفع ليكشف السرّ… لكن القلب يمسك اللسان طاعةً ويقينًا. كأن الآية ترسم لنا مشهدًا داخليًا مهيبًا: أمٌّ يتصارع داخلها بركانان… بركان عاطفة يكاد يفضح السرّ ويعرّض الطفل للخطر، وبركان إيمان يمسكها بلطف خفيّ من الله.

صور من قصة أم موسى… وأمهات هذا الزمان مع اختلاف الزمان والمكان والاحداث. ليست قصة أم موسى حدثًا تاريخيًا فحسب، بل هي مرآة متكررة في حياة الأمهات. كم من أمٍّ في زمننا تقف على باب غرفة عناية مركزة، وفؤادها فارغ إلا من اسم طفلها. كم من أمٍّ تودّ لو تصرخ في وجه القدر: لماذا؟ كم من أمٍّ أُخذ منها ابنها في حرب، أو حادث، أو مرض مفاجئ، فتشعر أن الهواء نفسه صار أثقل من أن يُتنفَّس. ذلك الفراغ الذي تحدّثت عنه الآية، هو ذات الفراغ الذي تشعر به أمٌّ حين تسمع خبرًا يهزّ عالمها. يتجمّد الزمن، وتغيب الأصوات، ويبقى اسم الابن يتردد في الداخل كصدى لا ينتهي. لكن… كما ربط الله على قلب أم موسى، فإنه لا يترك قلوب الأمهات اليوم بلا سند. الربط ليس إزالةً للألم، بل قدرةً على احتماله. ليس نسيانًا للفقد، بل نورًا خفيًا يمنع الانهيار. كم من أمٍّ تقول بعد سنوات من محنتها: “لا أعلم كيف صبرت… لكن الله أعانني.” ذلك هو الربط. ذلك هو التثبيت. ذلك هو المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. الإيمان هنا ليس فكرة ذهنية، بل هو حبل نجاة حين تتكسر أمواج الخوف.

حين يكون الفقد طريقًا للوعد. أم موسى لم تكن تعلم أن النهر الذي أخذ طفلها سيعيده إليها، وسيكون في بيت عدوّها، وسيعود إليها آمنًا، ثم يكون نبيًا من أولي العزم. أحيانًا يُلقي الله أبناءنا في “يمٍّ” لا نفهم حكمته، لكنه يمٌّ يسير بأمره، ويصلهم إلى شاطئ النجاة. لو أن أم موسى استسلمت لفؤادها، لفسد التدبير الإلهي. لكن حين رُبط على قلبها، اكتمل الوعد.

هنا رسالة إلى كل أمٍّ مفجوعة: إن كان فؤادكِ اليوم فارغًا… فاطمئني. الفراغ لا يعني ضعف الإيمان، إنه طبيعة الأمومة. ابكي… فالبكاء إنساني. تألّمي… فالألم صادق. لكن اطلبي من الله أن يربط على قلبك، كما ربط على قلب أم موسى. فالفؤاد قد يحترق، لكن القلب إذا ثبّته الله لا ينكسر. وفي كل فقدٍ سرّ، وفي كل وجعٍ وعد، وفي كل أمٍّ صابرة… ملامح من أم موسى، وقصة إيمان تتجدد في كل زمان.

 

فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop