في بداية عملي بإحدى الشركات المشغِّلة لأحد المستشفيات في منطقة حائل، تم التعاقد معي على وظيفة سبّاك، وهو المسمّى الوظيفي المثبت في العقد.
استمررت على هذا الوضع قرابة شهرين، رغم أن مؤهلي العلمي هو دبلوم حاسب آلي من جامعة حائل، وهو التخصص الذي درسته، وكنت أتطلع للعمل من خلاله وإثبات قدراتي فيه.
بعد مرور الشهرين، أبلغني مديري المباشر بأن مدير الصيانة يرغب بانتقالي للعمل سكرتيرًا لديه، مبررًا ذلك بمؤهلي في الحاسب الآلي. رحّبت بالقرار بكل حماس، واعتبرته خطوة إيجابية وتصحيحًا لمساري الوظيفي.
لكن المفاجأة كانت بعد الأسبوع الثاني فقط؛ فعندما حضر المدير، سلّم إحدى الزميلات البريد الإلكتروني الرسمي لقسم الصيانة، وكافة مهام القسم من تقارير ومراسلات وتنظيم أعمال، بينما وجدت نفسي أجلس على مكتب بلا أي عمل حقيقي، وبلا صلاحيات، وبلا مهام، وبلا توصيف وظيفي واضح.
يقال لي: أنت سكرتير. لكن أي سكرتير هذا؟ لا بريد إلكتروني، ولا تنظيم مواعيد، ولا مراسلات، ولا تقارير، ولا أي صلاحيات. فقط فتح الباب صباحًا، وإغلاقه بعد مغادرة المدير.
المؤلم أكثر أنه في كل اجتماع يتم توجيه اللوم لي، ويُقال: «أنت المفروض كل شيء!». أي مفارقة هذه؟ أن تُحمَّل المسؤولية لشخص لم يُمنح الأدوات، ولم يُحدَّد له الدور، ولم يُمكَّن من أداء مهامه.
وعندما أكرّر سؤالي عن سبب هذا التهميش، يكون الجواب دائمًا: «علشان وضعك الصحي، ما نبي نتعبك». وهنا بيت القصيد. فالتعب الحقيقي ليس في العمل، بل في الفراغ.
أن تكون حاضرًا جسدًا، غائبًا دورًا، مهمّشًا داخل بيئة عمل، تشاهد العمل يُدار من حولك دون أن تكون جزءًا منه؛ ذلك هو الإرهاق النفسي بعينه.
ومع ذلك، وبكل إنصاف، لا يمكنني إنكار أن هذا الفراغ — رغم قسوته — حمل جانبًا إيجابيًا في حياتي. فقد كان مساحة للتأمل، وإعادة ترتيب الذات، وتحويل الألم إلى فعل. وفي تلك الفترة، وبفضل الله، استطعت أن أؤلف كتابًا بعنوان «أنا قادر على إنجاز»، وثّقت فيه تجاربي المختلفة، وبدأت بسرد رحلتي منذ خطواتي الأولى، ومنها هذه التجربة الوظيفية.
فالعمل ليس عبئًا على من يملك القدرة والرغبة، بل هو حق، وكرامة، وشعور بالإنجاز. وتمكين الموظف — أيًّا كان وضعه الصحي — لا يكون بإقصائه، بل بمنحه الفرصة، وتحديد مهامه بوضوح، والثقة بقدراته.
هذه ليست شكوى، بقدر ما هي شهادة تجربة، ورسالة لكل بيئة عمل: لا تجعلوا الحرص عذرًا للتهميش، ولا تجعلوا الفراغ يُلبس ثوب الرحمة.
أ. عبد الرحمن الغسلان
@asmg1420
عضو جمعية إعلاميون