مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حين يعلو التكبير.. وتصغر الدنيا

“في القلب شعثٌ لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشةٌ لا يزيلها إلا الأنس به، وفيه حزنٌ لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته”.
بهذه الكلمات المضيئة للإمام ابن القيم الجوزية، تبدأ رحلة القلب نحو الطمأنينة في مواسم الخير، تلك المواسم التي لا تمر على المؤمن مرورًا عابرًا، بل تأتي لتوقظ الروح وتعيد ترتيب الداخل من جديد.

تمضي الأيام مسرعة، وتبقى بعض المواسم الربانية محطاتٍ للروح قبل أن تكون محطاتٍ للزمن، ومن أعظمها عشر ذي الحجة؛ تلك الأيام المباركة التي تفيض بالنور، وتُفتح فيها أبواب الرحمة، وتعلو فيها الأرواح فوق صخب الدنيا وهمومها الصغيرة.

ما بين التكبير والتهليل والتحميد، يشعر القلب أنه يتحرر من أثقال الحياة، وكأن الكلمات المباركة تغسل الروح من تعبها، وتمنح الإنسان سكينة لا تشبهها سكينة: الله أكبر… فوق كل هم، وفوق كل خوف، وفوق كل أمرٍ أرهق القلب وأثقله.

في هذه الأيام المباركة يدرك المؤمن أن الدنيا مهما ازدحمت لا تستحق أن تكون أكبر همّه، ولذلك كان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا». فحين يكثر العبد من ذكر الله، يتسع صدره، وتخف وطأة الحياة عليه، لأنه يعلم أن وراء التعب رحمة، ووراء الصبر أجرًا، ووراء الذكر طمأنينة تعيد للنفس اتزانها وأمانها.

عشر ذي الحجة ليست أيامًا عابرة، بل نفحات إيمانية أقسم الله بها في كتابه الكريم: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وما أقسم الله بشيء إلا لعِظَم شأنه ورفعة قدره.

هي أيام اجتمعت فيها أعظم العبادات؛ صلاة، وصيام، وصدقة، ودعاء، واستغفار، وحج، وتكبير يملأ الأرض نورًا والسماء أجرًا. أيام تتضاعف فيها الحسنات، وتُرفع فيها الدرجات، ويقترب فيها العبد من ربه بخطواتٍ صادقة وقلبٍ مُقبل.

فيا سعد من عمّر هذه الأيام بالتكبير:
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله،
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

رددها بقلبٍ يشعر بعظمة الله، وروحٍ ترجو رحمته، ونفسٍ تتمنى أن تكون أقرب إلى الآخرة من تعلقها بالدنيا. فلعل تكبيرةً صادقة تُحيي قلبًا أتعبته الحياة، ولعل حمدًا خاشعًا يفتح باب نعمة، ولعل دعوةً في هذه الأيام تكون بداية فرجٍ لا ينتهي.

فهنيئًا لمن أدرك هذه العشر بقلبٍ حي، وجعل منها موسمًا للعودة إلى الله، فالأعمار تمضي، ومواسم الطاعة تبقى أثرًا ونورًا ونجاة. رددها واستشعر حلاوة الإيمان في قلبك: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

إذا ضاقتِ الدنيا عليكَ بأسرِها؛ ففِرَّ إلى الرحمنِ واهتفْ بِّرًا؛ فما خابَ قلبٌ باتَ يذكرُ ربَّهُ؛ ولا عبدٌ عاشَ للهِ ذاكِرًا.

 

فاطمة الجباري
عضو جمعية إعلاميون
@fhaa1437

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop