في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، وما يُتداول عن استهداف قواعد أمريكية في بعض دول الخليج العربي من قبل إيران، تعود المنطقة إلى دائرة التوتر التي طالما دفعت شعوبها ثمنها قلقًا وترقبًا، رغم حرصها الدائم على الاستقرار والتنمية والسلام.
إن أي اعتداء يمسّ أراضي دول الخليج أو أمنها، تحت أي ذريعة كانت، يُعد تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية وللاستقرار الإقليمي، فهذه الدول لم تكن يومًا ساحة صراع، بل كانت ولا تزال مساحة ازدهار اقتصادي ومركز ثقل سياسي ونقطة توازن في محيط مضطرب.
القواعد العسكرية الموجودة في بعض دول الخليج تأتي ضمن اتفاقيات دولية معلنة في إطار شراكات دفاعية لحماية المصالح المشتركة، واستهدافها يعني عمليًا تعريض أمن الدول المستضيفة ومواطنيها لمخاطر مباشرة، وهو تصعيد لا يمكن التقليل من خطورته أو حصر تداعياته في نطاق عسكري ضيق. فالنيران حين تشتعل لا تفرّق بين هدف وآخر، والاضطراب الأمني ينعكس سريعًا على الاقتصاد والمجتمع وحياة الناس اليومية، ويزرع القلق في القلوب التي لم تطلب سوى الأمان.
الخليج العربي ليس مجرد رقعة جغرافية، بل منظومة متكاملة من العلاقات والمصالح المشتركة، تربط شعوبه روابط التاريخ والمصير الواحد، وأي تهديد لدولة فيه هو تهديد لبقية دوله. لقد أثبتت التجارب أن لغة الصواريخ لا تصنع استقرارًا، وأن رسائل القوة العسكرية غالبًا ما تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، بينما تحتاج المنطقة اليوم إلى التهدئة والحكمة، لا إلى إشعال جبهات جديدة تزيد المشهد تعقيدًا.
وتبقى المملكة العربية السعودية ركيزة الاستقرار في المنطقة بحكم مكانتها السياسية والاقتصادية والدينية، وقد انتهجت عبر تاريخها سياسة متزنة تقوم على حماية السيادة الوطنية وتعزيز الأمن الإقليمي والدعوة إلى الحلول السياسية بدلًا من الانجرار إلى مواجهات مفتوحة. وفي مثل هذه الأحداث يلتف الشعب حول قيادته، مدركًا أن أمن الوطن خط أحمر، وأن استقراره ليس محل مساومة، فالوطن ليس حدودًا مرسومة على الخريطة فحسب، بل هو أمان الناس ومستقبل الأبناء وطمأنينة البيوت.
القلق في أوقات التوتر شعور طبيعي، لكن الثقة في الله أولًا، ثم في قوة الدولة ومؤسساتها، تبقى مصدر الطمأنينة الحقيقي. لقد مرت المنطقة بمحطات عصيبة وتجاوزتها بالحكمة والتكاتف، وستظل إرادة الاستقرار أقوى من نزعات التصعيد. اللهم احفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها وأهلها من كل سوء، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، وجنّب الخليج ويلات الحروب، وألهم قادته الرشد، واجعل لغة الحوار تعلو فوق صوت السلاح، فالأوطان لا تُبنى بالصواريخ، بل تُصان بالعقل، ويصنع أمنها وعي أبنائها قبل أي شيء آخر..
إن الوعي مسؤولية، والكلمة موقف، والدعاء سلاح المؤمن في وجه الفتن. وما أحوج الأوطان في أوقات التوتر إلى عقولٍ راجحة، وقلوبٍ ثابتة، وأقلامٍ تزرع الطمأنينة بدل الخوف، وتعزز الثقة بدل الشك. فحماية الوطن ليست مهمة حدود فقط، بل مهمة وعيٍ يحفظ تماسكه، ويصون وحدته، ويؤمن أن الاستقرار نعمة لا تُقدّر بثمن..
اللهم أحفظ بلاد الحرمين الشريفين قيادة وشعباً أرضاً وسماءً واستجابة لدعوة أبينا إبراهيم عليه السلام:””وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَن آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ”.
فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون