مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

حين يغيب كبير العائلة.. يحضر التشتّت

التشتّت العائلي ليس شرخاً عابراً، بل تصدّعٌ يتسلّل بهدوء إلى الجذور، حتى إذا اشتدّ لم يُسمع له صوتٌ إلا بعد أن يُسقط ظلاله على كل شيء.

من الطبيعي أن تختلف القلوب، وأن تتباين الطباع، وأن تتصادم الآراء داخل أي عائلة فهذه سنّة الحياة التي لم تُستثنَ منها حتى أرفع البيوت قدراً. لكن غير الطبيعي أن تتحوّل هذه الخلافات إلى قطيعة، وأن تتغذّى على الحقد، وأن تُورث غلّاً صامتاً لا يُرى، لكنه يُحسّ في كل موقفٍ بارد وفي كل مناسبةٍ تخلو من الروح.

التشتّت الحقيقي لا يظهر حين تضيق الدنيا، بل حين تتّسع. في لحظات الحزن قد يجتمعون، وفي المرض قد يتقاربون، وفي الشدائد قد تُجبرهم الظروف على التماسك، لكن في المناسبات السعيدة حيث لا دافع إلا المحبة تتكشف الحقيقة كاملة. هناك تُقاس حرارة القلوب: من يحضر بشوق، ومن يعتذر ببرود، ومن يأتي جسداً بلا روح. هناك فقط يُعرف هل العائلة كيان حي أم مجرد أسماء يجمعها نسب. وهنا يبرز السؤال الذي يصنع الفارق كله: من الذي يحفظ هذا الكيان من التآكل؟ إنها ليست مسألة أعمار، بل مسألة أدوار.

ليس كل كبير سنٍّ كبير شأن، وليس كل من تقدّم به العمر يملك مفاتيح القلوب، كبير العائلة ليس رقماً في شجرة النسب، بل روحاً تسري في أغصانها تحفظ توازنها وتمنعها من الانكسار. كبير العائلة هو ذلك الذي تتساوى المسافة بينه وبين الجميع، لا يميل لطرف ولا يبتعد عن آخر، يقترب من الصغير قبل الكبير، ويجعل من بيته ملاذاً لا يُغلق، ومن صدره متّسعاً لا يضيق.

لا يُقاس كرمه بما يُنفق بل بما يمنح من احتواء ومن سعة صدر، ومن قدرةٍ على الإنصات قبل الحكم، هو الذي تُزعجه مشكلاتهم وكأنها تخصّه ويهتمّ بهمومهم دون أن يُطلب منه. لا ينتظر أن تُطرق بابه الخصومات، بل يذهب إليها قبل أن تكبر فيُطفئها بالحكمة، ويُذيب حدّتها بلين القول. لا يُؤجّج الكبرياء بل يُهذّبه، ولا يُدير الخلافات بعقلية المنتصر بل بروح الحافظ.

كبير العائلة ليس متجهّماً ولا متعالياً بل مبادر، يمدّ جسور الود في الأفراح قبل الأتراح، ويصنع من كل مناسبة فرصةً للّقاء لا واجباً ثقيلاً، يُحيي “التوجيب” لا كعادة اجتماعية، بل كقيمة تحفظ الود وتُبقي الخيوط متصلة.

حضوره طمأنينة، وكلمته ميزان، وصمته حكمة، وحين يكون كذلك لا يفرض طاعته بل تُمنح له، لا يطلب الولاء بل يكسبه،

يستعبد القلوب لا بالسلطة بل بالمحبة، فيلتفّ الجميع حوله ويثقون برأيه ويخضعون لمشورته طوعاً لا كرهاً، وهنا فقط يصبح “سيد العائلة” بمعناه الحقيقي: ليس سيادةً تُعلن بل مكانةً تُشعر.

أما إذا غاب هذا الدور أو وُجد بلا رشد، تفكّكت العائلة وإن اجتمعت صورياً، تتحوّل إلى جزرٍ متباعدة لكل جزيرة حساباتها، ولكل فردٍ عذره، تبهت المناسبات ويبرد التواصل ويصبح القرب الجسدي ستاراً يخفي بعداً شعورياً عميقاً.

التشتّت العائلي ليس قدراً يُفرض بل نتيجة تُصنع، نتيجة غياب من يؤمن أن جمع القلوب مسؤولية، وأن العائلة لا تُحفظ بالزمن، بل تُدار بالحكمة، وتُسقى بالاهتمام، وتُحمى من الإهمال.

وفي الخلاصة، العائلة التي لا يملك كبيرها شجاعة “اللّمّ” ستتقن مع الوقت فنّ “التباعد”، والقلوب التي لا تجتمع في الفرح اختياراً لن يجمعها الحزن إلا مؤقتاً. فانظر دائماً إذا دعا هل يجتمعون؟ إذا حضر هل تتقارب القلوب؟ وإذا غاب هل يشعر الجميع أن شيئاً فيهم قد انكسر؟

 

سعيد رجاء الأحمري
‏@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop