مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

دمى بلا رؤى!

هنالك فنٌّ يُعرف بـ(الدمى المتحركة)، نشط هذا الفن منذ قديم الأزل، وهو عبارة عن دمى يتم التحكم بها في صندوق خشبي، ويكون المسؤول عن تحريكها شخصٌ خلف الستار، إمّا في مسرح أو على قارعة الطريق. في البداية كان تحريكها يتم عبر اتصال تلك الدمى بقطعة خشب يمسك بها محرّكها أو بقضيب معدني، ثم ابتُكرت فيها أوتار تتصل بأصابع اليد، وأصبح فنًّا يُعرف بـ(فن الماريونيت) أو الدمى الخيطية. وكحال أي فن، لا يبقى على حاله، بل يتطور مع مرور السنين والقرون. وقبله كان هنالك فن خيال الظل وفن العرائس، وكلها فنون ممزوجة بالنحت والرسم والأزياء عندما تكون صامتة، وأحيانًا يوضع لها سيناريو فتتحدث من خلف الستار بلسان محرّكها. وتتواجد تلك الفنون على مسرح فن الدمى المتحركة، ويجمعها كلها فنان يحرك الدمى.

لكنني لم أتصور أن هذا الفن سيصل لما وصل إليه الآن من تطور عجيب ومخيف! فلم تعد كما كانت دمى تتراقص على مسرح العرائس، ولم يعد محرّك الدمى بحاجة إلى الأوتار المتصلة بأصابعه. تطور هذا الفن لدرجة أنه تم أنسنة الدمى، فلم يعد المحرك يحتاج إلى قطعة خشب أو قضيب معدني أو أوتار متصلة. فأصبحت الدمى تعيش بيننا وتمارس حياتها بشكل طبيعي، وكأنها ليست بدمى، وأصبح مسرحهم ليس صندوقًا خشبيًا أو ظلًا، بل المسرح الآن هو الأرض!

لكن بقي هناك خلف الستار محرّك للدمى، فأضحت دمى بلا رؤى. ومحرّكها في النهاية بشر، ولا يخفى عليكم أن البشر يحملون صفات حميدة وغير حميدة، وهذا أمرٌ مُسلَّم به، فالكمال لله سبحانه. لسنا كاملين، كلٌّ منا له عيوب. لكن هنالك ظواهر كثيرة، ومنها (مبادئ الناس) التي تتضح لك من خلالها إن كان الشخص دمية أم لا. وهنالك أشخاص بلا مبادئ، دمى تعرفهم من خلال معاشرتهم أو العيش معهم.

دائمًا كلامهم عند قيامهم بتبرير أنفسهم بمقولة: (جميع الناس يقومون بذلك!) وكأنها صك غفران يلوّحون به عند قيامهم بفعل مشين! وهذه قاعدتهم الشهيرة في الحوار التي يستندون عليها في نقاشهم، وهم في الأصل (دمى) يتم تحريكها. يتبعون سياسة القطيع ويعيشون بقناعات غيرهم من الناس.

وفي المقابل، هنالك أشخاص يمتلكون مبادئ ثابتة وراسخة، لا يتأثرون إلا بقناعاتهم وآرائهم، ويتسلحون بالمعلومة والمعرفة، لا يتبعون القطيع، وفي الغالب يقعون في صدامات بسبب اختلافهم مع الكثرة التي لا تعني لهم الصح، والقلة التي لا تعني لهم الخطأ. والعدد في نهاية الأمر لا قيمة له في عالم المبادئ، ودائمًا يعيشون ضمن قناعاتهم الثابتة.

في نهاية الأمر، ضع لك أهدافًا، واعلم ما الذي تريد تحقيقه قبل أن تتقدم خطوة نحو الهدف، وما هدفك من خطوتك في هذا الاتجاه. وكُن صاحب مبدأ ورأي مستقل وقرار مدروس، ولا تكن تابعًا للقطيع، فتُصبح مجرد دمية بيد أحد المحرّكين، أو بالأصح: دمية بلا رؤية.

 

أ. بدر الصقيري
@WriterBader
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop