أبعاد طبيعة الواقع الزمانية في الكون الغير ثابت تعد من ابرز القضايا التي تثير اهتمام الفلاسفة والمفكرين، فالكل ينظر الى الزمان ليس كظاهرة فيزيائية بحتة بل كأحد اعمدة الوجود التي تتشابك مع التجربة البشرية والكونية في آن واحد.
فالزمان في الفلسفة العربية بالتحديد يتجاوز كونه مجرد مقياس لحركة الاشياء، ليكون مفهوما غنيا بالتأملات التي تنبع من تفاعل الانسان مع العالم المحيط به.
بعد ان تأكدت من محلها في المعجم العربي استعرت (دغدغة) لأثارة جسد التساؤلات في الكون الغير ثابت بطبيعته الديناميكية، فلا بد من تحريك الموضوع برمته دوريا ليجد مفكرين جدد تبحث مجددا عن الاسئلة ويعيدون التفكير في طبيعة الزمان، في ظل تحول مستمر للأحداث والقوانين التي تحكم الكون.
وارغب دائما ان اجد اراء حديثة متطورة، كما صال وجال الاسلاف في هذا المضمار مثل الكندي والفارابي وابن رشد وغيرهم من عمالقة الفلسفة آنذاك، جميعهم قدموا رؤى عميقة على العلاقة الوثيقة بين الزمان والحركة، فبعضهم اعتبر الزمان مقياسا للحركة وان الحركة ليست مجرد تحولات فيزيائية، بل لها ابعاد معرفية وفلسفية، في حين اعاد اخرون ان صياغة العلاقة بين الزمان والمكان وفسروا ان الزمان لا يمكن عزله عن الحركة، ولكنه ايضا جزء من ادراك الانسان للوجود.
وفي سياق الكون الغير ثابت حيث تتحول القوانين والظواهر باستمرار ، تطرح العديد من التساؤلات المحورية ، هل الزمان نفسه يتغير بتغير الكون ؟ أم ان الزمان كيان مستقل يتجاوز هذه التحولات ؟ ، نظرية الكون الغير ثابت تقدم مشهدا ديناميكيا يتحدى التصورات التقليدية للزمان ، بوصفه خطيا او ثابتا ، في حال كان الكون يتوسع ويتغير كما تشير النظريات العلمية الحديثة ، فان العلاقة بين الزمان والحركة تصبح اكثر تشابكا وتعقيدا ، فهل يمكن للزمان ان يكون مجرد انعكاس لهذه الديناميكية أم انه عنصر جوهري يسبق هذه التغيرات ويتجاوزها ؟ .
لا استطيع ان انتقص من الآراء السابقة فأثناء البحث عن لب الموضوع وتشعباته لابني مقالي هذا عليه ، وجدت العديد من التأملات الثرية والدسمة والتي تركز على ارتباط الزمان بالوجود الانساني وبآراء عربية ، فالفارابي مثلا تحدث عن الزمان واصفا اياه بالعنصر الذي لا ينفصل عن التجربة البشرية ، حيث يتيح لنا ادراك التغييرات وربط الحاضر بالماضي من جهة والمستقبل من جهة اخرى، وهذا التصور يجعل الزمان ليس بعدا فيزيائيا بل عاملا اساسيا في بناء المعنى وفهم التحولات الكونية ، الكون هذا غير ثابت ويفتح دائما افاقا جديدة لهذه التأملات ، ليكون الزمان ليس مجرد وسيلة لفهم التغيير ، بل جزء من النسيج الكوني المتغير باسمرار.
السؤال الان ان كان هذا الكون يتغير بشكل دائم ، هل يمكن ان يكون للزمان بداية ونهاية ؟ ، ولا تتخيلوا ان هذا السؤال حديث الولادة فقد كان للبعض رأي فيه ، أبن سينا مثلا تناول مفهوم الابدية من منظوره الفلسفي واشار الى ان الابدية ليست مجرد استمرار للزمان ، بل اعتبرها حالة تتجاوز الزمان والمكان .
يمكن ان نعيد قراءة هذا المفهوم بالمجمل لنفهم كيف يمكن للزمان ان يكون جزءا من هذا التغيير المستمر ، وفي الوقت نفسه يحتفظ بخصوصيته كأفق لطبيعة الواقع الزمانية ويمتد الى ما وراء التحولات المادية ، وحين نتحدث عن الزمان في كون غير ثابت فلا بد من مواجهة التوفيق بين النظريات العلمية الحديثة والرؤى الفلسفية التقليدية السابقة ، النظريات العلمية مثل نظرية الانفجار العظيم ونظرية الاكوان المتعددة ، تشير الى ان الكون نفسه له بداية ونهاية ، وان الزمان ليس مطلقا بل نسبيا ومترابط مع المكان ، هذه التساؤلات جديدة حول طبيعة الزمان ، فهل هو جزء من الكون الذي يتغير ام انه عنصر مستقل يسبق هذا التغيير ؟ في فلسفتنا العربية يمكن ان نجد جذورا لهذه التساؤلات في محاولة الفلاسفة للتوفيق بين العقل والعالم المحسوس ، وان الزمان يمثل نقطة تلاق بين التأمل العقلي والتجربة الحسية.
في الطرف الاخير من مقالي هذا ، اقول ان هناك تداخل معقد بين الفلسفة والعلوم والطبيعة الانسانية ، الزمان ليس مجرد ظاهرة فيزيائية يمكن قياسها ، بل هو افق منفتح التأمل والتجربة ، فأنت تشاء وانا اشاء والله سبحانه يفعل ما يشاء فيقول الباري في كتابه الكريم (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) هنا هي ديناميكية الزمان في سياق التغيرات الكونية ، وقال تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) وهذا نسبية الزمان في هذا الكون وصدق الله خالق الكون والزمان واترككم برعايته.
أ. سعد أبو طالب
wyq1217351@
عضو جمعية إعلاميون