مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

رحلة الجمال في عيون الأدب

تتجلى السياحة في الأدب لا بوصفها انتقالًا بين الأمكنة فحسب بل كرحلةٍ إنسانيةٍ تبحث عن الجمال والمعنى إذ يراها الأديب نافذةً على الذات ومرآةً للعالم الخارجي في آنٍ واحد فالسفر في جوهره ليس مجرد حركة جسدية وإنما فعل روحي يعيد للإنسان وعيه بوجوده ويمنحه فرصة لاكتشاف ما لم يكن يراه وهو بين جدران المكان الواحد وقد وعى الأدباء منذ القدم هذه القيمة العميقة للسياحة فجعلوا منها موضوعًا خصبًا للتأمل والتعبير.

في كتب الجاحظ تتجلى المدن والشعوب ككائنات حية تنبض بالتنوّع والحكمة فهو لا يصف الطريق بقدر ما يصف الإنسان الكامن فيه أما ابن بطوطة فقد مزج بين الدهشة والمعرفة فرسم في رحلاته صورةً للعالم لا بلغة الجغرافيا بل بلغة الأدب والعاطفة إذ كان يرى في كل أرضٍ قصةً وفي كل وجهٍ معنىً جديدًا للإنسانية وكذلك فعل الرحالة والشعراء في مختلف العصور حين جعلوا من الرحلة وسيلة لاكتشاف الذات في مرآة المكان.

وفي الأدب الحديث اتخذت السياحة بعدًا أكثر عمقًا فغدت رمزًا للتحرر والبحث عن الحقيقة عند جبران خليل جبران وتحوّلت عند توفيق الحكيم إلى تأملٍ في فلسفة الوجود بينما جعل منها محمود درويش صورةً للحلم والمنفى ونداءً للوطن الضائع فالمكان في الأدب ليس جمادًا بل كائنٌ حيّ يستنطق المشاعر ويوقظ الذاكرة وكل رحلةٍ في النص الأدبي هي في جوهرها رحلة إلى داخل النفس.

وهكذا تبدو السياحة في عيون الأدب رحلةً مزدوجة تجمع بين الخارج والداخل بين الطبيعة والخيال وبين الواقع والحلم فهي ليست ترفًا أو تسلية بل فعل إبداعٍ وإنسانيٍ نبيل يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم من حوله ويجعل من كل سفرٍ تجربة وجودية تنضح بالشعور والمعرفة والجمال.

وكما قال جبران خليل جبران: “إنما الرحلة في الحياة ليست أن نبحث عن أوطانٍ جديدة، بل أن نكتشف عيونًا جديدة نرى بها العالم من جديد”.

 

أ. ربيعة الحربي
‏@RBS_2030
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop