في لحظةٍ ما.. وبعد تعبٍ طويل من الركض خلف كل شيء، يكتشف الإنسان أن أكثر ما كان يبحث عنه.. هو نفسه. ليس المال أولًا، ولا العلاقات، ولا الشهرة، ولا حتى النجاح الخارجي… بل ذلك السلام الداخلي الذي يجعله يشعر أنه بخير، حتى قبل أن تتحقق الأمنيات.
كثيرون يعيشون سنواتٍ وهم بعيدون عن ذواتهم؛ يتحدثون بطريقة لا تشبههم، ويرضون الناس على حساب قلوبهم، ويبتسمون وهم متعبون، ويقولون “نعم” بينما أرواحهم تصرخ “لا”. ومع الوقت، تبدأ الروح بالذبول بصمت، ويشعر الإنسان أن شيئًا ناقصًا، رغم امتلاكه أشياء كثيرة.
العودة للذات ليست رفاهية.. بل نجاة. أن تعود لنفسك يعني أن تتذكر حقيقتك بعد أن أرهقك التمثيل. أن تجلس مع روحك دون خوف، وتسألها:
ماذا تريدين حقًا؟ ما الذي يشعرك بالحياة؟ ومن الذي أطفأ نوركِ يومًا فصدّقتِ أنكِ أقل مما أنتِ عليه؟ حين يعود الإنسان لذاته، يبدأ كل شيء بالتغير؛ ليس لأن العالم تغير فجأة… بل لأن الداخل تغير، والداخل دائمًا ينعكس على الخارج.
عندما تحب نفسك بصدق، لن تقبل بعلاقة تطفئك. وعندما تؤمن بقيمتك، لن ترهق نفسك لإثباتها لأحد. وعندما تسامح ذاتك، تبدأ الحياة بمسامحتك أيضًا. وكأن الكون ينتظر منك فقط أن تعود لنفسك.. ثم يفتح لك الأبواب واحدةً تلو الأخرى.
أحيانًا نظن أن التعطيل عقوبة، بينما هو حماية. ونظن أن التأخير حرمان، بينما هو إعداد. لكن حين تتصالح مع نفسك، تفهم أن كل ما مررت به كان يعيدك إليك. حتى الانكسارات… كانت رسائل. حتى الخذلان.. كان يوقظك لتتوقف عن البحث عن نفسك داخل الآخرين.
العودة للذات تعني أن تتوقف عن جلد نفسك كل يوم، وأن تتحدث مع روحك بلطف، وأن تمنح جسدك الراحة بدل القسوة، وأن تتوقف عن مقارنة رحلتك برحلات الناس. فلكل إنسان توقيته، ولكل روح طريقها المختلف.
وحين تعود لذاتك حقًا، ستلاحظ أمورًا عجيبة تحدث بهدوء: ستهدأ الفوضى داخلك، ستصبح قراراتك أوضح، ستختفي علاقات لا تشبهك من دون مقاومة، وستظهر فرص، وأشخاص، وأماكن، وكأنها كانت تنتظر نسخة “أنت الحقيقية” لتصل. لأن الحياة لا تعطيك على قدر تعبك فقط؛ بل على قدر انسجامك مع نفسك أيضًا.
كم من شخص كان يملك كل شيء لكنه لا يشعر بالسعادة، لأنه فقد ذاته في الطريق، وكم من شخص عاد لنفسه، فشعر بالوفرة حتى قبل أن يمتلئ حسابه البنكي. الطمأنينة ثراء، راحة البال نجاح، وحب الذات بداية كل أبواب الخير.
حين تعود لذاتك، لن تعود تركض خلف القبول؛ ستفهم أن قيمتك ثابتة، حتى لو لم يصفق لك أحد، وأن النور الحقيقي لا يحتاج إثباتًا، لأنه يُشعَر به من حولك دون كلام.
عودتك لنفسك قد تبدأ بخطوة بسيطة جدًا؛ جلسة هادئة مع روحك،
ورقة تكتب فيها مشاعرك، دمعة صادقة، قرار بالابتعاد عما يؤذيك، أو حتى دعاء صغير تقول فيه: “يا رب، أعدني إليّ كما خُلقتُ بسلام”.
وصدقني.. حين تعود لذاتك، تبدأ المعجزات الصغيرة بالحدوث؛ تُفتح الطرق المغلقة، ويخف الحمل عن قلبك، وتصبح الحياة أكثر لينًا وسهولة. ليس لأن المشاكل اختفت؛ بل لأنك أصبحت أقوى، أوعى، وأقرب إلى روحك.
فالإنسان الذي يعرف نفسه جيدًا؛ لا تُخيفه العواصف طويلًا، لأنه يحمل بداخله وطنًا كاملًا من السلام. عودتك لذاتك ليست نهاية رحلة… بل بداية الحياة الحقيقية.
إلهام المحمدي
@ElhamElhamal950
عضوة جمعية إعلاميون