مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“رفقًا بالقوارير”

لم يكن حديث رسول الله ﷺ «رفقًا بالقوارير» عبارة عابرة قيلت في سياقٍ لحظي، بل كان تأسيسًا لمنهجٍ أخلاقي كامل في فهم المرأة والتعامل معها. كان نهجًا تربويًا يضبط السلوك و يطور التواصل ، فالنبي، وهو أفصح العرب وأبلغهم بيانًا، لا يختار ألفاظه اعتباطًا، وحين أراد أن يلفت الانتباه إلى أسلوب التعامل مع المرأة، لم يقل: رفقًا بالنساء، ولا رفقًا بالأخوات، بل اختار صورةً لغوية شديدة العمق والدلالة. اختار القارورة؛ ذلك الوعاء الشفاف النفيس الذي لا يُمسك بقسوة، ولا يُحمل بإهمال، ليس لأنه ضعيف القيمة، بل لأنه عزيزها، ولأن جماله لا يحتمل العنف.

في هذا التشبيه النبوي تتجلى نظرة الإسلام للمرأة بوصفها كيانًا إنسانيًا دقيق التكوين، عميق الأثر، سريع التأثر بما يحيط به. فالمرأة لا تُدار بالخشونة، ولا تُقوَّم بالضغط، لأن القسوة لا تصنع استقامة، بل تخلّف شروخًا صامتة، قد لا تُرى بالعين، لكنها تُثقِل القلب وتشوّه العلاقة. من هنا كان الرفق ضرورة، لا ترفًا أخلاقيًا، وأساسًا في التعامل، لا خيارًا يُستدعى عند الحاجة.

والرفق الذي دعا إليه النبي ﷺ لم يكن تقليلًا من شأن المرأة، ولا انتقاصًا من قوتها، بل كان اعترافًا بطبيعتها المركّبة، حيث يجتمع العقل بالإحساس، وتلتقي المسؤولية بالعاطفة. والدقة، في كل شيء، تحتاج يدًا واعية، لا قبضة غليظة. كما أن أثمن الأشياء هي أكثرها حاجة إلى العناية، لا إلى القهر. وهكذا أراد الإسلام العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة فهم قبل أن تكون علاقة أدوار، وعلاقة رحمة قبل أن تكون علاقة تنظيم.

وعندما نتأمل واقع العلاقات اليوم، ندرك أن كثيرًا من الإخفاقات لم تنشأ من غياب الحب، بل من غياب الرفق. من لغة قاسية، أو تصرّف مستعجل، أو حكمٍ لا يراعي الأثر النفسي للكلمة. فالمرأة، كما وصفها الخطاب النبوي ضمنًا، تتأثر بالتفاصيل الصغيرة، وتُبنى ثقتها من نبرة الصوت قبل مضمون الكلام، ومن الإحساس بالأمان قبل كثرة الوعود. لذلك كان الرفق أسلوب حياة، لا موقفًا عابرًا.

إن التعامل الصحيح مع المرأة لا يقوم على السيطرة، ولا على محاولة كسر الاختلاف، بل على الاحتواء والاحترام والتقدير. فالمرأة لا تُطلب منها أن تتخلى عن حسّها لتكون قوية، ولا عن قوتها لتكون مقبولة، بل أن تُعامل بما يحفظ إنسانيتها كاملة غير مجزّأة. وهذا ما لخصه النبي ﷺ في كلمة واحدة جامعة، حين اختصر المنهج كله في وصية قصيرة: «رفقًا بالقوارير».

وفي زمنٍ تُرفع فيه شعارات الحقوق بينما تُهمَل الأخلاق في الممارسة اليومية، يبقى هذا الحديث النبوي رسالة متجددة لكل مجتمع يريد علاقات أكثر توازنًا، ولكل رجل يريد أن يكون حضوره طمأنينة لا عبئًا، ولكل إنسان أدرك أن الرفق ليس ضعفًا، بل وعيٌ راقٍ، وأن القسوة لا تصنع قوة، بل تترك كسورًا خفيّة، قد لا تُسمع، لكنها لا تُنسى.

 

أ. وفاء الشهري
‏@Wafa_aljanoob
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop