مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“رمتني بدائها وانسلت”

أخطر ما في السياسة الحديثة ليس العداء المعلن، بل التحالف الذي يتحلل من داخله، حين تتحول اللغة إلى قناع، والشعارات إلى أدوات تمويه، والتسامح إلى علامة تجارية لا إلى قيمة أخلاقية.

لسنوات، قُدِّمت بعض الدول بوصفها “نموذجًا للتسامح”. لكن السياسة لا تُقاس بما يُقال على المنصات، بل بما يُفعل حين تختبر المصالح، وحين تتعارض القيم مع النفوذ.

هنا تبدأ الأسئلة الثقيلة. كيف يمكن لدولة ترفع خطاب الاستقرار. أن تلعب على حواف الفوضى؟ كيف يمكن لمن يتحدث عن السلام. أن يعيد تدوير الصراعات بأدوات أنعم وأخطر؟ وكيف يمكن لتحالف أن يستمر إذا صار أحد أطرافه يعمل بمنطق اللاعب المنفرد؟

في اليمن، لم يكن الخلاف تفصيلاً.
كان مسألة رؤية للدولة: هل تُبنى الأوطان كوحدات سيادية مستقرة؟ أم تُجزّأ إلى مناطق نفوذ مرنة؛ تُدار من خارجها؟

وفي السودان، يتكرر المشهد بصيغة أكثر تعقيدًا: حرب، فوضى، هشاشة، ثم دخول لاعبين لا يبحثون عن إطفاء النار؛ بقدر ما يبحثون عن توجيه مسارها.

السعودية، في كل ذلك، اختارت طريقًا مختلفًا. ليس لأنها عاجزة عن الرد، بل لأنها دولة تفكر بمنطق الزمن الطويل. دولة تفهم أن القوة التي تُستنزف سريعًا تخسر، وأن الصبر حين يكون محسوبًا، يتحول إلى أداة سيادية بحد ذاته.

الصمت السعودي لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بالتحليل، بالقراءة، وبإعادة تعريف من هو الحليف؛ ومن هو الشريك المؤقت؛ ومن يتحدث بلغة الوفاق، ويمارس سياسة التناقض.

“رمتني بدائها وانسلت”.. ليست توصيفًا انفعاليًا، بل تشخيصًا سياسيًا دقيقًا: حين يُسقِط طرفٌ نتائج خياراته على غيره، ثم ينسحب من المشهد الأخلاقي متبرئًا من التبعات.

السعودية اليوم لا تبحث عن تصفيق،
ولا عن إثبات نوايا. هي دولة سيّدت نفسها بنفسها، وحين تمسّ سيادتها، فإنها لا تحتاج إلى رفع الصوت
لتُسمِع.
التاريخ لا يكافئ الأذكى في المناورة، بل الأثبت في المبدأ. ولا يخلّد من يغيّر أقنعته، بل من حافظ على وجهه،، حين كان الثمن عاليًا. وهنا بالضبط.. يبدأ الفرز الحقيقي.

 

أ.هويدا المرشود
hofahsaid111111@
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop