رمضان… ليس شهراً يمرّ، بل ذاكرة تسكن القلب. حين أستحضر رمضان زمان أشعر وكأنني أفتح نافذة على أيامٍ كانت أبسط… وأعمق.
كان رمضان يدخل علينا بهدوء مهيب، لا ضجيج فيه إلا صوت الفرح. كنا نترقب إعلان دخول الشهر عبر شاشة التلفزيون السعودي، نجلس جميعاً حوله بقلوبٍ مترقبة، وما إن يُعلن ثبوت الهلال حتى تتعالى التكبيرات، ويعمّ البيت شعور لا يشبهه شيء.
كانت البيوت تتزين بقلوب أهلها قبل أن تتزين بالفوانيس. رائحة السمبوسة، وصوت الأواني في المطبخ، وحركة الأمهات بين إعداد الإفطار وترتيب السفرة، مشاهد لا تُنسى. لم تكن الموائد متكلفة، لكنها كانت عامرة بالمحبة والبركة. الجميع يفطر معاً، بلا هواتف تسرق اللحظة، ولا انشغال يقطع الدفء.
كان للمسجد طعم مختلف؛ تمتلئ الصفوف قبل الأذان، ويقف الصغار بجانب الكبار، نتعلم الخشوع قبل أن نفهم معناه. صوت الإمام في صلاة التراويح، والهدوء الذي يعمّ الحي بعد الصلاة، وكأن الدنيا كلها تصمت احتراماً لقدسية الوقت.
أما السهرات، فكانت بسيطة وصافية؛ جلسات عائلية، ضحكات صادقة، زيارات للأقارب، وأكواب قهوة تمتد حتى وقت السحور. كنا نشعر أن الوقت بطيء… لكنه ممتلئ. لم نكن نبحث عن الكمال، بل عن القرب؛ قرب من الله، وقرب من بعضنا.
رمضان زمان لم يكن أجمل لأن الحياة كانت أسهل، بل لأن القلوب كانت أهدأ، والنيات أنقى، والتفاصيل الصغيرة تكفينا. كان شهراً نعيشه بكل حواسنا، لا نمرّ به مرور العابرين.
واليوم، رغم تغيّر الوسائل وتسارع الحياة، يبقى الحنين إلى ذلك الرمضان ساكناً فينا… يذكّرنا أن روح الشهر لا تتغير، وأننا قادرون في كل عام أن نعيد شيئاً من بساطته، وشيئاً من دفئه، وشيئاً من تلك البراءة التي كانت تجعلنا نشعر أن رمضان هو أجمل ضيفٍ يزورنا. رمضان زمان.. كان أقل ضجيجاً، وأكثر معنى.
منال فهد
@manal_fo
عضو جمعية إعلاميون