في ليالي رمضان لا تتصالح الأرواح مصادفةً، بل لأن الضجيج الذي كان يحجبها يهدأ، فتجد القلوب أخيرًا فسحةً لتصغي إلى صوتها العميق. فالصيام لا يقتصر على الجسد وحده، بل يمتد ليطال طبائعنا كلها؛ فيصوم الجسد عن شهواته، ويصوم اللسان عن قسوته، ويصوم القلب عن غلظته، حتى يعود الإنسان شيئًا فشيئًا إلى فطرته الأولى… تلك الفطرة التي تميل إلى الصفح أكثر مما تميل إلى الخصام، وإلى الوصل أكثر مما تميل إلى القطيعة.
رمضان في جوهره ليس شهر الجوع والعطش، بل شهر التخفف الكبير. نتخفف فيه من أثقال الأيام التي تراكمت في أرواحنا، ومن صخب الحياة الذي غطّى على نقاء الداخل. نتخفف من حسابات الربح والخسارة في العلاقات، ومن ذلك الإصرار الخفي على أن نكون دائمًا المنتصرين في جدالاتنا الصغيرة. وحين تخفّ الأنا ويهدأ صخبها، يعلو صوت الروح، والروح بطبيعتها لا تحتمل القطيعة؛ لأنها خُلقت لتتآلف، لا لتتنافر، ولتبحث عن الطمأنينة في القرب لا في البعد.
وفي ليالي هذا الشهر سرٌّ خفيّ لا تدركه العين بقدر ما يشعر به القلب. سكونٌ ينساب مع الأذان، وسكينةٌ تغمر البيوت بعد الإفطار، ودمعةٌ شفيفة تولد في سجدةٍ طويلة، ودعاءٌ صادق يخرج من الأعماق بلا تكلّف. في تلك اللحظات يقف الإنسان عاريًا من كبريائه أمام خالقه، فيرى ضعفه الإنساني بوضوح، ويشعر بحاجته العميقة إلى الرحمة والعفو… فيتعلّم أن يعفو. وكأن الصفاء الذي يملأ السماء في هذه الليالي ينعكس في القلوب، فتصفو النفوس وتلين الطباع، ويضيق المكان بالخصام.
فالخصام يحتاج إلى صلابةٍ في القلب، ورمضان بطبيعته يذيب القسوة كما تذيب قطرات المطر الأولى أرضًا طال عطشها. لذلك نشعر في هذا الشهر أن العتاب يمكن أن يتحول إلى مودة، وأن المسافات التي صنعتها الأيام يمكن أن تختصرها كلمة صادقة واحدة: سامحني.
ولعل الأرواح تتصالح في رمضان لأنها تتذكر حقيقتها العميقة؛ أنها عابرة في هذه الحياة، وأن ما يبقى في نهاية الطريق ليس من انتصر في جدال، بل من غلب نفسه، وكسر حدّة كبريائه، ومدّ يده أولًا.
وفي هذا الصفاء الرمضاني العميق، يبدو الخصام غريبًا… كظلٍّ لا يحتمل البقاء طويلًا في حضرة الضوء.
وفاء الشهري
@Wafa_aljanoob
عضو جمعية إعلاميون