هذا هو رمضان يمضي سريعًا، ويقترب من نهايته، يقف المسلم أمام العشر الأواخر وقفة مختلفة؛ كأن الزمن فيها يكتسب وزنًا آخر، وكأن اللحظات فيها أثمن من أن تمرّ عابرة. ففي ميزان المسلم ليست هذه الليالي أيامًا عادية من الشهر، بل موسمًا مضاعف القيمة، تتسع فيه أبواب الرحمة، وتُرجى فيه المغفرة، وتُطلب فيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر.
العشر الأواخر ليست مجرد زيادة في العبادة، بل هي انتقالٌ من الاعتياد إلى الاجتهاد، ومن الأداء إلى الإقبال. فيها يستيقظ القلب أكثر، وتصبح السجدة أطول، والدعاء أصدق، والرجاء أعظم. كأن المسلم يدرك فجأة أن الطريق يوشك أن يبلغ نهايته، فيحاول أن يملأ ما بقي منه بما يليق بعظمة هذه الأيام.
وفي هذه الليالي يتعلم الإنسان درسًا عميقًا في ميزان الحياة: أن القليل قد يساوي الكثير إذا باركه الله. فليلة واحدة قد تغيّر مصير إنسان، ودعوة صادقة قد تفتح أبوابًا كانت مغلقة، ودمعة خاشعة قد تغسل تعب سنين طويلة. لذلك يترقب المؤمن هذه الليالي بقلب يقظ، لا يريد أن يفوته منها شيء.
لقد كان هدي النبي ﷺ أن يشدّ مئزره في العشر الأواخر، وأن يحيي ليله ويوقظ أهله، وكأن هذه الليالي موعدٌ لا يحتمل الفتور. ففيها تلتقي الإرادة البشرية مع فيض الرحمة الإلهية، ويشعر الإنسان أن السماء أقرب، وأن الدعاء أصدق وصولًا.
وفي ميزان المسلم الحقيقي، لا تُقاس هذه الليالي بعدد الساعات التي تمر، بل بما تتركه في القلب من أثر. فرب ركعة خاشعة تغيّر اتجاه الروح، ورب دعاء صادق يفتح أبواب الطمأنينة في الداخل. لذلك يحرص المؤمن أن يجعلها محطة مراجعة، يتخفف فيها من أثقاله، ويجدد فيها عهده مع الله.
ومع اقتراب ختام الشهر، تزداد في القلب رغبة صادقة في أن تُختم الصفحات بخير. فالعشر الأواخر ليست نهاية رمضان فحسب، بل هي ذروة معناه، ولحظة اكتمال نوره في قلب المؤمن.
ومن عرف قيمة هذه الليالي، أدرك أنها ليست أيامًا تمرّ في التقويم، بل فرصة عظيمة في ميزان العمر… قد لا تتكرر، لكنها تترك في القلب أثرًا يبقى طويلًا بعد أن يمضي رمضان.
وفاء الشهري
@Wafa_aljanoob
عضو جمعية إعلاميون