مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

زاوية النظر تصنع العالم؟

بين سوء النية وحسن الظن شعرة دقيقة، لكنها كفيلة بتغيير طريقة إدراك الإنسان للعالم من حوله. فبعض الناس ينظر إلى المواقف بعدسة متوترة تميل إلى الشك، فيفسر التصرفات العادية على أنها رسائل خفية، ويحمّل الكلمات أكثر مما تحتمل، حتى تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من القراءات المجهدة والافتراضات المتراكمة.

هذا النمط من التفكير لا يخلق فهمًا أعمق، بقدر ما يضاعف الاستنزاف النفسي؛ لأن العقل يبقى في حالة تحليل دائم، يبحث عن نوايا غير معلنة في كل موقف، ويعيد بناء الأحداث بطريقة تزيد التوتر بدلًا من أن تنهيه.

في المقابل، هناك من يختار زاوية أكثر اتساعًا في النظر، فيبدأ بحسن الظن دون سذاجة. فهو لا ينكر احتمال الخطأ، لكنه لا يفترضه من البداية. ويرى أن الصمت قد يكون انشغالًا لا تجاهلًا، وأن الاختلاف قد يكون تنوعًا لا خصومة، وأن كثيرًا من المواقف يمكن فهمها دون تحميلها ما يفوق حقيقتها. وهذا الفهم المتوازن يخفف ثقل العلاقات، ويجعل التعامل مع الناس أكثر هدوءًا ومرونة.

والحكمة هنا ليست في الانحياز المطلق لأي طرف، بل في الوصول إلى منطقة وسطى واعية: مرونة في التفسير دون تهور، ويقظة دون مبالغة، وحسن ظن لا يلغي العقل، ولا يفتح الباب للاندفاع غير المحسوب.

في النهاية، ليست قيمة المواقف في ذاتها فقط، بل في الطريقة التي نفسر بها تلك المواقف. وكلما اقترب الإنسان من حسن الظن المتزن، اتسعت مساحة راحته الداخلية، وقلّت الضوضاء النفسية الناتجة عن التأويل المستمر، وأصبح أكثر قدرة على التعامل مع الناس بسلام داخلي واتزان أوضح.

 

أ. بجاد العتيبي
@alotaiby511511
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop