مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

سحر الشاشة الصغيرة.. ماذا فعل بالإعلاميين؟

شهد الإعلامُ – خلال السنوات الأخيرة – تحوُّلًا جذريًّا غيَّر شكل المهنة وأدواتها، وحتى نجومها. فبعد أنْ كانت الشاشة التلفزيونيَّة هي البوابة الوحيدة للوصول إلى الجمهور، ظهرت «الشاشة الصغيرة» في الهواتف الذكيَّة؛ لتقلب الموازين، وتمنح أيَّ شخصٍ فرصة الظهور والتأثير خلال ثوانٍ. هذا التحوُّل لم يغيِّر الجمهور فقط، بل غيَّر الإعلاميِّين أنفسهم، وطريقة حضورهم وعملهم.

في السابق، كان الإعلاميًّ يعتمدُ على المؤسَّسة الإعلاميَّة؛ قناة تلفزيونيَّة، أو صحيفة، أو إذاعة تمنحه المساحة والشُّهرة. أمَّا اليوم فقد أصبح الإعلاميُّ مطالبًا ببناء حضوره الشخصيِّ عبر منصَّات التواصل الاجتماعيِّ؛ لأن الجمهور لم يعد ينتظر النَّشرة أو البرنامج المسائي، بل يبحث عن الخبر والرَّأي والمحتوى بشكل سريع ومباشر عبر الهاتف.

هذا الواقع الجديد، دفع كثيرًا من الإعلاميِّين إلى تغيير أساليبهم. فالإعلاميُّ الذي كان يتحدَّث بلغة رسميَّة مطوَّلة، أصبح يميلُ إلى الاختصار، والعناوين الجاذبة، والمقاطع القصيرة التي تناسب سرعة التلقِّي في المنصَّات الرقميَّة. كما تحوَّل بعضهم من مقدِّمي برامج تقليديِّين إلى «صنَّاع محتوى» يتابعُون التفاعل، ويقيسُون نسب المشاهدة والتعليقات بشكل يوميٍّ.

ومن جهةٍ أُخْرى، منحت الشَّاشة الصغيرة الإعلاميِّين فرصًا واسعةً للانتشار والاستقلاليَّة. فبعضهم استطاع تكوين جمهور يفوق جمهور القنوات التقليديَّة، وأصبح قادرًا على تقديم محتواه دون قيود كبيرة، أو جداول بث معقّدة. كما ظهرت فرص جديدة مثل البودكاست، والبث المباشر، والتغطية الفوريَّة للأحداث، ما جعل الإعلام أكثر سرعةً وقربًا من النَّاس.

لكنَّ هذا السِّحر لم يكن إيجابيًّا بالكامل؛ إذ فرض ضغوطًا كبيرةً على الإعلاميِّين. فالمنافسة أصبحت مفتوحةً مع الجميع، وأصبح السباقُ نحو «الترند» أحيانًا يتفوَّق على جودة المحتوى. كما أنَّ سرعة النشر دفعت بعض المنصَّات إلى تفضيل الإثارة على الدقَّة، ما أثَّر على مصداقيَّة بعض الأعمال الإعلاميَّة.

ورغم هذه التحدِّيات، تبقى الشَّاشة الصغيرة قوَّة هائلة أعادت تشكيل المشهد الإعلامي بالكامل. فقد جعلت الإعلاميَّ أقربَ إلى جمهوره، وأكثرَ حضورًا وتأثيرًا، لكنَّها في المقابل فرضت عليه أنْ يتطوَّر باستمرار؛ لأنَّ البقاء في عالم الإعلام الرقميِّ لم يعد للأشهر فقط، بل للأسرع والأكثر قدرة على جذب انتباه الجمهور.

 

د. سعود الغربي
‏@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop