قال الله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾، فالأصل في العلاقات الإنسانية أن تقوم على التعارف والتآلف والتراحم والتعاون، وأن تكون جسورًا تمتد بين القلوب لتقوي أواصر المحبة وتحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي.
فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، بل يجد سعادته في الأسرة المتماسكة، والصداقة الصادقة، والزمالة القائمة على الاحترام والتقدير. ومن أجمل نعم الله على الإنسان أن يرزقه قلوبًا صافية تحبه ويحبها، فالأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
غير أن بعض العلاقات قد تتعرض لآفات خفية تنخر فيها كما تنخر السوسة في الخشب، ومن أخطر تلك الآفات وجود شخص يتعمد الإفساد بين الناس، ويستمتع بإشعال نار الخلافات ونشر الفرقة بينهم. فهو لا يطيق رؤية المحبة والانسجام، ولا يهنأ له بال حين يرى العلاقات متينة والقلوب متآلفة، فيسعى جاهدًا إلى تفكيكها وإضعافها.
وسوسة العلاقات قد تتخفى خلف أقنعة متعددة؛ فقد تظهر في صورة ناصحٍ مشفق، أو صديقٍ مقرّب، أو قريبٍ حريص، بينما تخفي في داخلها الحسد أو حب السيطرة أو متعة الإفساد. فتبدأ بنقل الكلام، وتحريف المواقف، وتضخيم الأخطاء، وبث الشكوك والظنون، حتى تتحول المحبة إلى جفاء، والثقة إلى ريبة، والقرب إلى قطيعة.
والأشد خطرًا أن هذا الصنف من الناس لا يكتفي بنقل الكلام، بل يتفنن في صناعته وتلوينه بما يخدم أهدافه، فيوقع بين الأحبة والأقارب والأصدقاء، ثم يقف متفرجًا على ما أحدثه من تصدع في العلاقات وكأنه لم يكن سببًا في ذلك.
ومن الحكمة ألا نجعل آذاننا ممرًا لكل ما يقال، وألا نبني أحكامنا على كلام الآخرين دون تحقق أو تثبت، فكم من علاقة جميلة هُدمت بسبب إشاعة، وكم من أسرة تفرقت بسبب كلمة، وكم من صداقة انتهت بسبب ناقل كلام لم يتقِ الله فيما يقول.
إن قوة العلاقات لا تكون بكثرة اللقاءات فحسب، بل بالثقة المتبادلة، وحسن الظن، والصدق، والوضوح، والقدرة على الحوار المباشر عند حدوث أي خلاف. فالعلاقات التي تُبنى على هذه القيم يصعب على المفسدين اختراقها أو العبث بها.
ولذلك فإن المحافظة على العلاقات الطيبة مسؤولية مشتركة، تبدأ بالوعي والحكمة، وتمر بالتثبت من الأخبار، وتنتهي بإغلاق الأبواب أمام كل من يسعى إلى التفريق بين الناس. فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من المشكلات، بل التي تمتلك الوعي الكافي لحماية وحدتها وتماسكها من عبث المفسدين.
فاحرصوا على من يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد، ويبني ولا يهدم، واجعلوا الثقة والمحبة والوضوح أساس علاقاتكم، فبها تدوم المودة، وتستقر النفوس ،وتصفو الأرواح وتزداد قوة الترابط.
بدرية المعجل
@ALmojiLBadria
عضو جمعية إعلاميون